من الحسكة يبدأ الحريق تحذير إلى واشنطن وتل أبيب وأوروبا

د. محمود عباس/ الولايات المتحدة

ستدرك إدارة الرئيس دونالد ترامب، وربما بعد فوات الأوان، أنها ارتكبت خطأً استراتيجيًا جسيمًا حين تخلّت عن حليفها الكوردي في غربي كوردستان، وهمّشت قوات سوريا الديمقراطية، وسلّمت ملف مكافحة الإرهاب إلى سلطة انتقالية لم تستكمل بعد بناء مؤسسات أمنية وطنية موثوقة، فيما تضم التشكيلات المنضوية تحت وزارة دفاعها جماعاتٍ ذات ماضٍ متطرف وولاءات متعارضة.

ما حدث ليس انتقالًا آمنًا للمسؤولية، بل تفكيكٌ متسرع لأحد أهم السدود التي منعت داعش من استعادة قوته. وقد حذّرت الأمم المتحدة من استمرار خطر التنظيم ومن احتمال فرار محتجزين خلال عمليات نقل السيطرة، فيما اضطر الجيش الأمريكي إلى نقل أكثر من 5700 من عناصر داعش من سوريا إلى العراق، خشية انفلاتهم بعد تراجع قسد وفقدانها عددًا من مواقع الاحتجاز. كما أكدت تقارير أمنية أن التنظيم بدأ بالفعل تنشيط خلاياه وتجنيد العناصر وتوزيع السلاح مستفيدًا من الفوضى السورية. الأمم المتحدة، رويترز، رويترز عن عودة نشاط داعش
وستدرك إسرائيل والدول الأوروبية بدورها أن الانشغال بمواجهة أدوات إيران، مع تجاهل عودة التيارات الجهادية السُّنية، لا يصنع أمنًا؛ بل يستبدل خطرًا بخطر آخر قد يكون أشد انفجارًا وأقل قابلية للضبط. فداعش لا يحتاج دائمًا إلى راية معلنة ومدينة يتخذها عاصمة؛ يستطيع العودة من خلال خلايا نائمة، وأسماء جديدة، وتحريض عشائري، وتشكيلات مسلحة تتبدل شاراتها ولا تتبدل عقيدتها.

إن التحركات الجارية في محافظة الحسكة، وإقامة الخيام لحشد بعض العشائر، ورفع شعارات طرد قسد وإلغاء الإدارة الذاتية، والتي تقف خلفها تركيا بشكل رئيسي، ينبغي ألّا تُقرأ بوصفها نشاطًا اجتماعيًا بريئًا بمعزل عن سياقها الأمني. ولا يجوز هنا الخلط بين العشائر العربية الأصيلة وبين عناصر داعش ومرتزقة تركيا التي تحاول الاختباء خلف أسمائها؛ فالعشائر مكوّن أساسي من نسيج المنطقة، أما استغلالها وقودًا للتحريض والانتقام فهو مشروع فتنة تستفيد منه القوى المتطرفة ومن يديرها إقليميًا.

من احتلوا سري كانيه وكري سبي بمساندة تركيا لن يتوقفوا عند حدود المدينتين، ومن يبدأ حربه بطرد الكورد لن يجعل الكورد آخر ضحاياه. سيأتي الدور على المسيحيين والإيزيديين والدروز والعلويين، وعلى كل جماعة ترفض الخضوع لحكم التطرف والسلاح. إن استهداف الكورد ليس نهاية المشروع، بل بوابته الأولى. والكل يدرك إن خروج تركيا من تلك المناطق هو الحل الوحيد لإخماد كل هذا الضجيج.

وعلى واشنطن أن تفهم أن الكورد لم يكونوا قوةً مجانية تُستخدم حتى انتهاء المعركة ثم تُترك لمصيرها. لقد دفعوا آلاف الضحايا في الحرب على داعش، وحموا، نيابة عن العالم، السجون والمخيمات التي تضم أخطر بقايا التنظيم. أما مكافأتهم بالتخلي عنهم وتركهم بين ضغط دمشق وتهديد أنقرة، فلن تُنتج سوريا مستقرة، بل فراغًا أمنيًا سيدفع الأمريكيون والأوروبيون ثمنه لاحقًا.

وتركيا ليست مراقبًا محايدًا لما يجري. إنها المستفيد الأكبر من تفكيك القوة الكوردية، ومن تحويل الخلاف السياسي مع الإدارة الذاتية إلى حرب قومية ضد الوجود الكوردي. وكل جماعة متطرفة يجري استخدامها اليوم ضد قسد يمكن أن تتحول غدًا إلى قوة منفلتة تهدد سوريا والعراق وأوروبا، بل المصالح الأمريكية والأمن الإسرائيلي نفسه.

وتزداد دلالة هذا الدور خطورةً إذا قُرئ في ضوء قمة الناتو الأخيرة في أنقرة؛ فبعد الضغط الأمريكي على تركيا لعدم مساندة إيران وأدواتها، أعادت واشنطن فتح باب حصولها على مقاتلات «F-35». لكن أنقرة، التي استجابت للطلب قولًا، تناور عليه فعلًا؛ إذ تؤجج الفتنة في سوريا، ولا سيما في المنطقة الكوردية، لإغراق السلطة الانتقالية في صراع داخلي يصرفها عن مواجهة حزب الله والحشد الشعبي، ويعرقل اقترابها من التحالف الأمريكي–العربي ومن مجالها العربي. وبذلك تخدم تركيا إيران بصورة غير مباشرة، وتجعل من دماء الكورد والسوريين ورقةً في مساوماتها الإقليمية.

إن سوريا عمومًا، والجزيرة والمناطق الكوردية خصوصًا، تقف على حافة حرب أهلية دموية. فالرغبة في الثأر، والخلايا الداعشية النائمة، والتحريض القومي، والسلاح المنفلت، والتدخل التركي، كلها تتجمع في أرض واحدة؛ ولا تحتاج الكارثة سوى إلى شرارة.

هذه ليست استغاثة، بل تحذير أخير، لا تهدموا السد الذي حمى العالم من داعش، ثم تتظاهروا بالدهشة عندما يجتاحكم الطوفان. وإذا اندلع الحريق، فلن تستطيع إدارة ترامب ولا إسرائيل ولا أوروبا الادعاء بأنها لم ترَ الدخان يتصاعد من الحسكة.

الكورد قد يكونون الهدف الأول، لكنهم لن يكونوا الأخير. والقادم، إن استمر هذا التواطؤ والصمت، سيكون أشد قسوة مما يتخيله صانعو هذه السياسة اليوم.

قد يعجبك ايضا