عبدالكريم يحيى الزيباري
قرأت كِتابًا ذات يوم، فتغيّرت حياتي كلها. ولأنني أكره التغيير، قررت ألا أقرأَ بعده كتابًا آخر.
ما زلتُ أذكر الطريق الذي قادني إليه. بعدَ بحثٍ طويل في السوق، دخلتُ فرعًا ضيقًا داخل مجمع بيع اللحوم وعربات بيع الأسماك والروائح والصراخ.
سألت عن المكتبة، فأرشدوني إلى باب صغير مختبئ بين محلين لبيع اللحوم المستوردة. تعلو بابه لافتة: “مكتبة الحياة الجديدة”. خلف بابها الصغير، عشر درجات متهالكة تهبط إلى ممر ضيق ينتهي بقبو رطب ومعتم أشبه بسجن.
قلتُ لصاحب المكتبة العجوز: أريدُ أفضلَ كتابٍ في العالم. بحثَ قليلاً وبحذرٍ كبير بين الرفوف المغبَرّة، كمن يمشي في حقل ألغام. سحب كتابًا وقذف به نحوي من مسافة مترين، كأنه يسدد رمية كرة سلة.
على الغلاف الأمامي لوحة المرأة الباكية لبيكاسو. قال العجوز: الأكثر مبيعًا لخمس سنوات متتالية، وتُرجم إلى جميع لغات العالم، وبيع منه أكثر من مليون وخمسمئة وثلاثًا وعشرين ألف نسخة. مليون نسخة منها لم تُسلّم بعد.
سألته: أين عنوان الكتاب؟ قال وهو يشير إلى الغلاف: هذا هو العنوان. قلت له: لا أرى شيئاً. أنتَ أمام أعظم ابتكار في تاريخ الأدب، كل قارئ يمنحه العنوان الذي يريد. جميل، أعجبتني الفكرة، لكن أين اسم المؤلف؟ المؤلف… هو القارئ، إذا كان يريد رواية سيجدها، وإذا كان يريد شعرًا، سيجده. وإذا أراد فلسفة، فكل الفلاسفة عيالٌ على هذا الكتاب.
كان الكتاب مُغلّفًا بورق نايلون شفاف. عصرًا جلبت لنفسي كوب الشاي وقطعة كعك. شاي العصر يجلب النصر. مُتلَذّذًا مزقت الغلاف، كأنني أفتحُ كنزًا. كانت الصفحات بيضاء، لم يسكنها حرف واحد.
اتصلت بدار النشر لأبلغهم أن الطبعة خالية من الكلمات. بعد لحظة صمت، سألت الموظفة: كم عدد الصفحات الفارغة؟ كلها فارغة. ممتاز، يبدو أنك حصلت على النسخة الأصلية، لقد فزتَ بجائزة أعظم قارئ في تاريخ العالم. كِدتُ أقفزُ في الهواء: سوفَ أصبحَ أعظمَ كاتبٍ في العالم. عاودتُ الاتصال: هل بمقدوري أنْ أنشرَ كتابًا عندكم؟ بالتأكيد. ماذا عليّ أنْ أفعل؟ تدفع ثلاثمئة دولار فقط. وماذا بعد؟ لا شيء. كيف لا شيء؟ نحن نتكفّل بكل شيء. لكنني أريد أنْ يُكتبَ اسمي. لا، لا أريد أيّ شيءٍ على الغلاف غير اسمي. قالت الموظفة: لدينا خدمة جديدة لاقتراح العناوين للكتب التي لم تُكتب بعد. لا أريده كِتابًا ككل الكتب بعنوان رئيس وعنوان ثانوي وجنس أدبي. كيف إذن؟ اسمي وحدَهُ يكفي. سيكون لك أعظم كتاب في العالَم. لا أريدهُ فارغًا. كما تحب. أريد ديوان من عشرين قصيدة. سوق الرواية أكثر رواجًا. حسنًا لا بأس. أيّ نوعٍ من الروايات تريدها: تاريخية، واقعية سحرية، ريفية، حضرية، بحرية…؟ لم أفكر في هذا بعد، المهم أنني أريد أن أظهر على الغلاف بلحية وشعر منسدل فوق رقبتي، لا أريد أن يقول الناس إنني أقل وسامةً من بلحو.
سنعالج صورتك في الذكاء الاصطناعي. لا تعتمدوا الصورة قبل موافقتي عليها. كيف تريد عنوان الرواية؟ باللون الأحمر. أقصد كم كلمة؟ كلمتان فقط، أريده عنوانًا غريبًا شاذًا لا نظيرَ له في الأدب العالمي ولا المحلي. بوصلة ثَمِلة؟ وماذا تعني؟ الضياع. أحبّ الضياع وأجده جذّابًا، لكن لماذا لا نترك العنوان للقارئ؟ نحن لا نكرّر ابتكارًا مرتين، وكيف تريد متن الرواية؟ أريدها رواية فلسفية مثل عالم صوفي. وماذا بعد؟ أريد اقتباسًا من إليوت يمدحني باسمي. سنرتب لك باقة مقولات من كِبار المؤلفين. هل بمقدوركم ترشيحي بعد ذلك، إلى إحدى القنوات الفضائية؟ نعم، فنحنُ لا نصنعُ الكُـتُب، نحن نصنع عظماء الكُتّاب. لكن مَن سيكتب الرواية؟ صمتت قليلًا، ثم قالت: القارئ.