عطا شميراني
ليست الحروب وحدها هي التي تهدم الأوطان، فهناك عدو أكثر هدوءًا، لكنه أشد فتكًا، اسمه الفساد. وإذا كانت الحروب تخلّف الخراب في الشوارع، فإن الفساد يخلّف الخراب في الضمائر والمؤسسات، ويقوّض أسس الدولة من الداخل حتى تصبح هياكلها قائمة، بينما روحها تتآكل بصمت. إنه سرطان ينمو ببطء، لكنه إذا استفحل، عجزت الدولة عن مقاومته.
بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة حملت معها آمالًا واسعة في بناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على سيادة القانون والمؤسسات. وقد تزامن ذلك مع تدفق عائدات نفطية هائلة، جعلت العراق من بين أغنى دول المنطقة من حيث الموارد الطبيعية. وكان من الممكن أن تتحول هذه الثروة إلى نهضة اقتصادية شاملة، وبنية تحتية متطورة، وتعليم وصحة وإسكان يليق بشعب عانى عقودًا من الحروب والعقوبات.
غير أن ما حدث كان مختلفًا. فبدل أن تتحول الثروة إلى رافعة للتنمية، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة للصراع على النفوذ والمصالح، وأصبح المال العام هدفًا لشبكات الفساد التي وجدت في ضعف المؤسسات وغياب الرقابة بيئة خصبة للتمدد. وهكذا، لم يعد النفط رمزًا للرخاء، بل أصبح في نظر كثير من العراقيين رمزًا لفرصة ضائعة.
ومع مرور الوقت، لم يعد الفساد مجرد حالات فردية أو تجاوزات إدارية، بل أخذ يتشكل كمنظومة معقدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والإدارة بالنفوذ، حتى باتت بعض مظاهره جزءًا من الواقع اليومي الذي يلامسه المواطن في معاملاته وخدماته وفرص عمله.
وامتدت آثار الفساد إلى العقود الحكومية، والمشاريع المتوقفة، والمنافذ الحدودية، والضرائب، والجمارك، والخدمات العامة، والاستثمار، وغيرها من القطاعات. والنتيجة أن المواطن لم يخسر المال العام فحسب، بل خسر معه فرص التنمية، وتحسين الخدمات، وخلق الوظائف، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
لكن أخطر ما ينتجه الفساد ليس ضياع الأموال، وإنما ضياع الثقة. فعندما يشعر المواطن بأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن النفوذ يسبق العدالة، تتراجع ثقته بالدولة، ويضعف إيمانه بالمؤسسات. وعندما تنهار الثقة، يصبح الإصلاح أكثر تعقيدًا، لأن الدولة لا تقوم على القوانين وحدها، بل على ثقة الناس بعدالتها.
اقتصاديًا، يمثل الفساد أحد أكبر العوائق أمام التنمية. فهو يرفع كلفة المشاريع، ويُبعد المستثمرين، ويهدر الموارد، ويُضعف الإنتاجية، ويُقلل من كفاءة الإنفاق العام. لذلك لم يكن من المصادفة أن تحقق الدول الأكثر نجاحًا في مكافحة الفساد معدلات أعلى من النمو والاستقرار، لأن النزاهة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل شرط أساسي للتنمية المستدامة.
وفي العراق، لم يغب شعار مكافحة الفساد عن برامج الحكومات المتعاقبة، كما أُنشئت هيئات رقابية ومؤسسات مختصة بهذا الملف. إلا أن حجم التحديات، وتشابك المصالح، وتعقيد الملفات، جعل الطريق نحو الإصلاح طويلًا وشاقًا. ولذلك فإن نجاح أي مشروع إصلاحي يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقضاءً مستقلًا، ورقابة فعالة، وشفافية في إدارة المال العام، بعيدًا عن أي ضغوط أو اعتبارات سياسية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بين الاتهام والإدانة. فدولة القانون لا تبنى على الشائعات أو الخصومات السياسية، وإنما على الأدلة والإجراءات القضائية. ولا يجوز وصف أي شخص بالفساد إلا إذا ثبت ذلك وفق القانون، لأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا باحترام الأصول القانونية.
ومع ذلك، فإن مسؤولية مكافحة الفساد لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية أيضًا. فالصحافة المهنية، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والنخب الفكرية، والمواطن الواعي، جميعهم شركاء في ترسيخ ثقافة النزاهة، والدفاع عن المال العام، وتعزيز قيم الشفافية والمساءلة.
إن العراق لا يعاني من نقص في الثروات، بل من سوء إدارتها. فهو يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، وموارد بشرية قادرة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وإمكانات تؤهله لأن يكون قوة اقتصادية مؤثرة في المنطقة. لكن هذه المقومات لن تتحول إلى نهضة حقيقية ما لم يُهزم الفساد، وتُبنى مؤسسات قوية تُدار بالكفاءة، لا بالمحاصصة، وبالقانون، لا بالنفوذ.
إن مستقبل العراق لن تحدده أسعار النفط وحدها، بل ستحدده قدرة الدولة على حماية ثرواتها من الهدر، وصيانة المال العام، وإخضاع الجميع لسلطة القانون. فالدول لا تسقط عندما تنضب مواردها، وإنما عندما تصبح مواردها غنيمة للفاسدين. وعندما ينتصر القانون على الفساد، ويصبح المنصب تكليفًا لا تشريفًا، يمكن للعراق أن يحول ثروته النفطية من لعنة سياسية إلى نعمة تنموية، وأن يكتب فصلًا جديدًا في تاريخه عنوانه: دولة قوية، واقتصاد مزدهر، ومواطن يثق بوطنه.