د محمود سيد محمد
باحث بالمؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.
في مشهد عالمي يتسم بالتقلبات الجيوسياسية والضغوط التجارية، تبرز أفريقيا كقارة تمتلك إمكانات هائلة، رغم ما تواجهه من عقبات. فوفقاً لأحدث تقرير للبنك الأفريقي للتنمية (AfDB) بعنوان “استغلال رأس مال أفريقيا بشكل أفضل لتنميتها”، والصادر في مايو 2025، يواصل الاقتصاد الأفريقي إظهار مرونة ملحوظة، مع توقعات بنمو يتفوق على المعدلات العالمية .
النظرة الاقتصادية: نمو يتجاوز التحديات
تشير التوقعات إلى تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا من 3.3% في عام 2024 إلى 3.9% في عام 2025، مع وصوله إلى 4% في عام 2026 . وتجدر الإشارة إلى أن هذه التوقعات خُفضت بشكل طفيف بمقدار 0.2 و0.4 نقطة مئوية عن تقديرات فبراير 2025، وذلك بسبب تأثير الرسوم التجارية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة، مما يعكس هشاشة الاقتصاد العالمي وارتباط القارة به .
ومع ذلك، تبقى المؤشرات إيجابية، إذ من المتوقع أن تحقق 21 دولة أفريقية نمواً يفوق 5% في عام 2025. وعلى رأسها، من المتوقع أن تصل أربع دول هي إثيوبيا والنيجر ورواندا والسنغال إلى معدل نمو يبلغ 7% أو أكثر، وهو الحد الأدنى الضروري للحد من الفقر وتحقيق نمو شامل .
تباين إقليمي في الأداء
لا يتوزع النمو بشكل متساوٍ بين مناطق القارة. فمن المتوقع أن تتصدر شرق أفريقيا المنطقة بمعدل نمو يبلغ 5.9% خلال 2025-2026، مدفوعة بأداء قوي في إثيوبيا ورواندا وتنزانيا. بينما تحافظ غرب أفريقيا على نمو صلب بنسبة 4.3%، مدعوماً بإنتاج جديد للنفط والغاز في السنغال والنيجر. في المقابل، تواجه مناطق أخرى تباطؤاً، حيث من المتوقع أن يصل نمو وسط أفريقيا إلى 3.2%، بينما لا تتجاوز نسبة النمو في جنوب أفريقيا 2.2%، مع نمو ضعيف في اقتصادها الأكبر، جنوب أفريقيا، بنسبة 0.8% فقط .
تحديات جسيمة تعترض الطريق
1. التضخم وارتفاع تكاليف الديون: لا تزال الضغوط التضخمية قائمة، حيث يعاني 15 دولة أفريقية من تضخم مزدوج الرقم . والأكثر إثارة للقلق هو أن مدفوعات الفائدة على الديون تستهلك الآن 27.5% من الإيرادات الحكومية في أفريقيا، مقارنة بـ 19% في عام 2019 . وتشير التقديرات إلى أن تكاليف خدمة الدين قد تصل إلى 89 مليار دولار في عام 2025، مما يحول الموارد بعيداً عن الاستثمار في التعليم والصحة والقطاعات الإنتاجية .
2. نزيف رأس المال: في مفارقة مذهلة، بينما تلقت أفريقيا تدفقات مالية خارجية بقيمة 190.7 مليار دولار في عام 2022، فقدت القارة ما يقدر بـ 587 مليار دولار بسبب التسريبات المالية. وشمل ذلك 90 مليار دولار من التدفقات المالية غير المشروعة، و275 مليار دولار تم تحويلها من قبل الشركات متعددة الجنسيات، و148 مليار دولار فُقدت بسبب الفساد .
فرص هائلة تنتظر الاستغلال
• رأس المال الطبيعي: تستضيف أفريقيا 30% من احتياطيات المعادن العالمية، ويمكنها أن تستحوذ على أكثر من 10% من الإيرادات المتوقعة من المعادن الخضراء، والتي قد تصل إلى 16 تريليون دولار بحلول عام 2030 .
• رأس المال البشري: مع متوسط عمر سكاني يبلغ 19 عاماً، يمثل الشباب الأفريقي عائداً ديموغرافياً هائلاً يمكن أن يضيف 47 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة من خلال تحسين مشاركة القوى العاملة .
• رأس المال المالي: نمت أصول صناديق المعاشات التقاعدية إلى 1.1 تريليون دولار، ويمكن أن تصل التحويلات المالية الرسمية إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2035 إذا تم خفض تكاليف التحويل .
• التكامل الإقليمي: يمثل التنفيذ الكامل لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) فرصة ذهبية، حيث يمكن أن يزيد الصادرات بمقدار 560 مليار دولار ويعزز الدخل القاري بمقدار 450 مليار دولار بحلول عام 2035 .
الطريق إلى الأمام: تعبئة الموارد الداخلية
أكد نائب الرئيس وكبير الاقتصاديين في البنك الأفريقي للتنمية، كيفن تشيكا أوراما، على ضرورة أن تنظر أفريقيا إلى الداخل لتعبئة الموارد اللازمة لتمويل تنميتها. وأشار التقرير إلى أنه مع السياسات الصحيحة، يمكن لأفريقيا تعبئة 1.43 تريليون دولار إضافية من الموارد المحلية من خلال مكاسب الكفاءة وحدها . واختتم أوراما قائلاً: “عندما تخصص أفريقيا رأس مالها الخاص (البشري، الطبيعي، المالي، التجاري) بشكل فعال، فإن رأس المال العالمي سيتبع رأس المال الأفريقي لتسريع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية” .
في الختام، مستقبل أفريقيا يتوقف على قدرتها على تحويل هذه الإمكانات الهائلة إلى واقع ملموس، من خلال تحسين الحوكمة، ومكافحة الفساد، وتعزيز التكامل الإقليمي، والاستثمار الجاد في رأس مالها البشري. التحديات كبيرة، لكن الفرص أكبر.