إبراهيم اليوسف
ارتبط اسم أ. محمد موسى بحزب اليسار الكردي الذي يقوده، ارتباطاً عميقاً امتد عبر عقود طويلة إذ سار في طريق التنظيم السياسي باكراً وتدرج في تولي مهمات ومسؤوليات عدة، إلى أن أصبح سكرتير حزبه وبات واحداً من الوجوه التي أدت وتؤدي دورها في الحياة السياسية الكردية بثبات واستمرار. وما أن أستعد صورته- الآن- وهو ينتصر في محنة مواجهة المرض، حتى تحضر وقائع كنت شاهداً عليها- في أكثر من محطة، رغم ما بيننا من مسافة يومية، من دون أن أعتمد على شهادات مقربين وأصدقاء و رفاق له، أي: بعيداً عن موقعه الحزبي أو صفته التنظيمية التي لا علم لي بتفاصيلها، باعتباري عشت تجربة سياسية مختلفة في الشيوعي السوري، رغم ما كان بيننا من قواسم مشتركة لم يتخل عنها لا الرجل ولا حزبه، لطالما أن التجارب الصعبة تمنح المرء قدرة على قراءة الشخصيات بعيداً عن الشعارات.
أجل، ها أستعيد لقاءنا في أحد مراكز التحقيق في- قامشلي- حيث جمعنا ذلك المكان الثقيل مع الراحل فيصل شيخموس فاتي الذي ارتبط وجوده هناك بقضية زج فيها اسمه- ظلماً- تخص أحد أصهاره ألا وهو داوود باقستاني، كي يتم تهديده و محاسبته عن صهره الذي كان يعيش خارج سوريا. لقد كان لكل واحد منا ملفه الخاص. فقد -حوله- جلاوزة ذلك الفرع المخابراتي سيء الصيت، إلى دمشق- فرع فلسطين قبيح الذكر والنظام- وكانوا قد فعلوا- بالمثل- معي أنا والأستاذ سعود الملا ضمن ملف آخر، ليس لكلينا فيه أي ذنب. بقيت صورة تلك الساعات راسخة في الذاكرة إذ فك عناصر الأمن أربطة أحذيتنا وأنزلونا إلى قبو تحت مبنى المركز وكانت هيئة الداخلين إلى ذلك المكان تحمل كل ما يمكن أن تتركه السلطة القميئة في وجوه المحقق معهم والموقوفين والمعتقلين، من إرهاق وانتظار وقلق. أتذكر كم وقفت خلال كل جلسة تحقيق ساعتين أو ثلاث ساعات أو أكثر- في قامشلي- من دون أن يسمح لي بالجلوس بينما كان مساعد الضابط الكبير يختلق سردية كاذبة عن تاريخ الكرد في قامشلي- على سبيل المثال- مؤكداً أن لا تاريخ لهم أبعد من ثمانينيات القرن الماضي، وقد رأى بأم عينيه كيف أن أجدادنا وآباءنا جاؤوا مع عبدالله أوجلان إلى” سورياه” ” سوريا أمه” وحدها. كان العطش يكاد يطبق شفتي على بعضهما بعضاً، ويلصق لساني بجوف فمي، طوال التحقيق، بينما يشرب الضابط الكبير والمساعد عصيراً فيه حبيبات ثمار ما عدت أتذكره. وكلما التقيت الصديق محمد موسى في الممر كان يبين لي قسوة التحقيق معه، مواجهاً إساءات ومضايقات مشابهة خلال استجوابه.
استمر بقائي مع الأستاذ سعود الملا في دمشق أياماً إلى أن أغلق- ملفنا المشترك- بعد تدخل كردي مقيم في نهر عايشة، بوساطة قيادي من رفاق أ. سعود الملا الذي خضع لأول مرة لهكذا استجواب. أما أنا فقد انصب الضغط كله على، لانتزاع اسم أحد المشاركين في النشاط” الكردي الإنساني” الذي قمنا به أنا وأ. سعود، وهو صديقي أ. محمود عثمان ابن عامودا الذي رفضت معرفة اسمه رغم أننا عملنا في حزب واحد معاً ربع قرن. كان الضابط وهو من آل الشوفي يؤكد أنهم فيما لو تأكد لهم معرفتي بالشخص الثالث فإن ذلك سيقودني لئلا أرى ضوء الشمس، إلا أنني احتفظت بما أعرفه داخل صدري ومضت تلك المرحلة بكل ما حملته من عنف واستبداد.
تكررت لقاءاتي بالأستاذ محمد موسى بعد ذلك في ندوات “قاسيون” التي كانت اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين تشرف عليها، وكنت أحد قيادييها، حيث جمعتنا رؤى متقاربة أثناء الندوات حول ملف القضية الكردية التي تطرح في هذه اللقاءات، إلى جانب ملف القضايا الأخرى التي طالما كانت تطرح، في هذه الندوات الرسمية التي كان يحضرها بعض قيادات الحركة الكردية إلى جانب بعض المعارضين، لأن مساحة الاتفاق الفكري بقيت واسعة رغم اختلاف الظروف السياسية التي مررنا بها.
لقد عرفت جانباً آخر من حياة أ. محمد بعيداً عن المنابر السياسية، إذ رافقت لجنة كانت تقدم مساعدات للعائلات التي تضررت بيوتها بسبب فيضان نهر” جغجغ”. وصلنا إلى منزله فوجدته يسكن بيت أجرة متواضعاً تنقصه حاجات كثيرة. حاول الامتناع عن استلام مبلغ المساعدة وكان خمسة آلاف ليرة سورية. احتاج الأمر إلى إلحاح طويل، من قبلي وفريق المهمة، حتى قبلها. بقي ذلك الموقف عالقاً في ذاكرتي لأنه كشف مقدار عزة النفس التي حملها الرجل- آنذاك- حتى في أكثر أيامه ضيقاً. وزارني مرات عدة وكان من بينها زيارة رافقه فيها الشاعر محمود بادلي وأخرى بعد جرح كرم عام 2008.
لفت انتباهي في بدايات الألفية الثالثة لقاء تلفزيوني أجري معه باللغة العربية. يومها رأيت أنه قدم صورة سياسية متماسكة تستحق الإشادة لأن حضوره اتسم بالهدوء والدقة والقدرة على عرض موقفه بوضوح.
وعشية تشكيل الائتلاف حضرت الاجتماع الأخير للمجلس الوطني السوري، في الدوحة، وذلك في أكتوبر 2012، قبل مغادرتي الأخيرة للدوحة و آخر اجتماعات المجلس في آن. سلمت الأستاذ رياض سيف أرقام عدد من أعضاء الوفد الكردي الأول وكان اسم محمد موسى بينها إلى جانب أسماء أخرى. كان بعضهم في دبي وبعضهم الآخر في إقليم كردستان أو تركيا، بينما كنت في الدوحة.
وروى لي في القاهرة عام 2012 بحزن وبراءة وصدق وقائع حادثة بقيت تؤلمني كلما تذكرتها. كان مع الأستاذ كاميران ضمن اجتماع ضم موفدين عن أحزاب كردية مع الرئيس مسعود بارزاني. انتهى اللقاء وخرج الرئيس ليودع الحاضرين. صعد سكرتيرو الأحزاب أو الأمناء العامون إلى سيارات كانت بانتظارهم بينما بقي محمد موسى وحده، من دون سيارة تقلّه. انتبه الرئيس مسعود إلى ذلك المشهد فاستدرك الأمر، بفطنته، وحكمته، طالباً من سائقه الخاص إيصاله إلى السليمانية. تلك الحادثة حملت- لدي- دلالة إنسانية أكثر من أي قراءة سياسية لأنها كشفت مقدار الإهمال الذي قد يلقاه رجل أفنى سنوات عمره في العمل العام.
تبدلت الأحوال بعد ذلك واتخذ محمد موسى موقفه إلى جانب الإدارة الذاتية- مكرهاً- نتيجة عدم استيعاب المجلس الكردي لحالات عديدة، رغم انحيازي لهذا الأخير كنواة لقوى تمثل الكرد تاريخياً، كما أرى. إذ اقتصرت تواصلنا على حالات التعزية أو المناسبات الاجتماعية- كل بضع سنوات- لأنني كنت أرى أن شخصيات قريبة من قلبي كان يليق بها أن تحافظ على بوصلة رؤاها، من دون ردود الفعل، واستيلاد المسوغات، وإن كنت أعرف أن ظروفاً معقدة دفعت الأمور في غير مساراتها المتوخاة، وسط حالة تفرد و تشدد مارسته بعض” قيادات” المجلس الكردي التي ارتكبت أخطاء طالما واجهناها بها، رغم أحقيتها في دورها القيادي لكرد سوريا- وللتدقيق، فإن هذه الأخطاء لا تقارن ب”وزر” نقطة دم بريئة هدرت من قبل الطرف الآخر، أياً كان المسوغ، بعد أن فرض حزب العمال الكردستاني حضوره- التسلطي المدمر- في مناطقنا بقوة سلاح وعنف الأمر الواقع، ليبقى محمد موسى محافظاً على قناعاته وموقعه الفكري داخل اليسار، وسط كل هذه العواصف، ورغم خياره الاضطراري غير المستساغ وفق تقويمي، من دون أن ينجرف مع الموجة التي دفعت أحزاباً وشخصيات إلى ارتدادات و مراجعات واسعة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، على نحو مفاجئ، وإن كانت المراجعات ضرورية، على ألا تكون نتيجة استجابة لما تصنف كصرعة مستحدثة، بدلاً من أن تكون نتاج إعادة قراءة الصراع الفكري.
وأستعيد ذكرى تمت في عام آخر من أعوام المحنة والمواجهة. في 2006 عندما اعتقل محمد موسى. إذ توجهت ممثلاً لمنظمة حقوق الإنسان في سوريا- ماف، مع شقيقه الراحل شيخموس وآخرين إلى حلب لوقفة تضامنية- رمزية- أمام المحكمة. وحين صدر قرار الإفراج عنه رافقناه إلى قريته- شور شرقي- حيث أمضينا ساعات قبل العودة إلى قامشلي. لقد بقي ذلك اليوم علامة تؤكد قيمة الوفاء بين الرفاق حين يتحول النضال إلى رسالة واضحة تمنح المعتقل الخارج من السجن شعوراً بأن الطريق الذي اختاره لم يتركه وحيداً.
وقبل أيام قليلة علمت بمرضه، لنتواصل اليوم عن طريق الشاعر محمود بادلي وكريمة أبي روزيف، فقد- فتح- الكاميرا كي أراه ممدداً على فراشه، أمعنت النظر في تجاعيد وجهه التي تنم عن المعاناة الطويلة، متذكراً أصابع يده وهي تلف- السيجارة- كي تستقر بين سبابته ووسطاه. عينيه اللتين تشعان تفاؤلاً، وهو يحدثني عن قناعاته الماركسية التي لا يبدلها ومشروع وحدة اليسار. قال بصوت حمل سنوات طويلة من التعب “من حق المناضل أن يبكي”. بقيت تلك العبارة تتردد في أذني. في داخلي طويلاً. قلت له إن مذكراته دين في عنقه لأنني شهدت جزءاً محدوداً من تجربته بينما أعرف بقية محطاتها من متابعة امتدت سنوات طويلة. حياة كهذه تستحق أن تكتب بيد صاحبها، لا أن تضيع أو تلتقط من ذواكر الآخرين.
هكذا بقي- محمد موسى- في نظري رجلاً أبي النفس ثابت القناعة شجاعاً في المواقف كما عرفته في لحظات التحقيق وفي اللقاءات السياسية وفي تفاصيل الحياة اليومية. وقد تمنح السياسة مواقع كثيرة لأصحابها ثم تسحبها منهم سريعاً بينما تبقى السيرة الشخصية وحدها قادرة على حماية اسم الإنسان من تقلب الأيام إذ تحمل شهادتها داخلها وتتركها للأجيال القادمة.