نوري جاسم
في حياة الأمم رموزٌ تبقى أكبر من الحجر، وأبقى من الزمان، لأنها تتحول إلى معالم تهدي الأرواح قبل أن تهدي الأبصار. ومن أسمى هذه الرموز القباب التي شُيِّدت فوق مقامات الأنبياء والأولياء والصالحين، لا لتكون بناءً معماريًا فحسب، بل لتصبح شاهدًا على سيرةٍ ملؤها الإيمان، ومنهجٍ قوامه المحبة، ورسالةٍ غايتها الوصول إلى الله تعالى. وفي مقدمة هذه القباب تقف القبة الخضراء التي تعلو الحجرة الشريفة في المسجد النبوي الشريف، حيث روض سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، مهبط الرحمة، ومنبع الهداية، ومشرق النور الذي أضاء الله به القلوب قبل الآفاق. وعلى امتداد هذا النور، تستوقف المتأمل القبة الخضراء التي تعلو مرقد السيد الشيخ السلطان الخليفة محمد المحمد الكسنزان الحسيني قدست أسراره في السلطانية المقدسة بمحافظة السليمانية، فهي أيضًا تحمل لونًا ارتبط في الوجدان الإسلامي بالحياة والسكينة والرجاء، وكأنها تعلن أن المحبة الصادقة للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا تزال تنبض في مدارس التربية الروحية والسلوك.
وقد يتساءل البعض: هل يجمع بين القبتين تقاربٌ جغرافي، أم أن ما يجمعهما هو تقاربٌ في المعنى؟
أما من الناحية الجغرافية، فإن الدراسات القائمة على الإحداثيات تبين أن القبتين تقعان على خط واحد، وتوجد بينهما محاذاة هندسية دقيقة بالمعنى العلمي، كما أن المسافة الفاصلة بينهما تبلغ نحو ألف وثلاثمائة كيلومتر تقريبًا. غير أن الجغرافيا، على أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر سرَّ حضور هذه الرموز في وجدان المؤمنين. أما في الرؤية الصوفية، فإن الحديث عن السمت لا يُراد به غالبًا سمت الأرض، وإنما سمت القلوب؛ فلا تُقاس المسافات بالأميال، بل تُقاس بصدق الاتباع، ولا تُرسم خطوط الاتصال على الخرائط، بل تُرسم في الأرواح التي اجتمعت على محبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وجعلت من سنته منهاجًا، ومن أخلاقه ميزانًا، ومن نوره دليلًا. ولهذا، فإن تشابه القبتين في اللون لا يُفهم على أنه تشابه في المقام، فمقام النبوة المحمدية هو المقام الأعلى الذي لا يدانيه مقام، وإنما يُفهم على أنه رمزٌ للانتساب الروحي إلى المدرسة المحمدية، وإعلانٌ بأن التربية الصادقة لا تنفصل عن أصلها النبوي. وإن القبة الخضراء في المدينة المنورة تشير إلى منبع الرسالة، بينما تشير القبة الخضراء في السلطانية المقدسة إلى الاقتداء بتلك الرسالة في ميدان التربية والسلوك. فهناك أصل النور، وهنا السعي إلى التخلق به، وهناك خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهنا مدرسةٌ ترى أن طريقها لا يقوم إلا على محبته واتباع هديه. ومن هنا يمكن فهم ما يتداوله أهل التصوف عن “سمت القباب”، فهو ليس دعوى جغرافية، وإنما تعبيرٌ عن وحدة المنهج، وتشابه المقصد، وتلاقي الأرواح. فالقباب، وإن تباعدت في الأرض، قد تتقارب في الرسالة، والقلوب، وإن اختلفت أوطانها، قد تجتمع على نورٍ واحد. ولعل هذا هو السر الذي يجعل المؤمن إذا وقف أمام القبة الخضراء في المدينة، أو أمام قبة أحد الأولياء الصادقين، يستحضر المعنى نفسه: معنى المحبة، والاقتداء، والإخلاص، والسير إلى الله تعالى. فالقباب لا تصنع القداسة، وإنما القداسة هي التي منحت القباب معناها، والعمارة لا تخلّد أصحابها، وإنما الذي يخلدهم هو ما تركوه من علم، وتربية، وذكر، وإصلاح، وخدمة للخلق. وهكذا تبقى القبة الخضراء في المدينة المنورة رمزًا لأصل النور المحمدي، وتبقى القباب التي تعلو مقامات الأولياء الصادقين رموزًا لاستمرار التربية على ذلك النور، لا منافسةً له، ولا مساواةً به، وإنما محبةً له، ووفاءً لرسالته، وسيرًا على نهجه. وهناك، حيث يلتقي ظاهر المكان بباطن المعنى، يدرك العارفون أن السمت الحقيقي ليس سمت الأرض، بل سمت القلوب؛ وأن أقصر الطرق بين القباب ليس خطًا على الخريطة، وإنما طريق المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله تعالى عليه الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.