عرفان الداوودي
منذ عام 2003 وحتى اليوم، تعاقب على وزارة الكهرباء عدد كبير من الوزراء، وتعاقبت معهم الوعود والمؤتمرات الصحفية والخطط التي قيل إنها ستضع حداً لمعاناة العراقيين مع الكهرباء. لكن النتيجة بقيت واحدة؛ صيف قاسٍ، وساعات تجهيز متذبذبة، واعتماد متزايد على المولدات الأهلية.
لقد أنفقت الحكومات العراقية، وفق ما أعلنته جهات رسمية وتقارير رقابية على مدى السنوات، عشرات المليارات من الدولارات على قطاع الكهرباء، وهي مبالغ كان يمكن أن تؤسس منظومة كهربائية تضاهي أفضل المنظومات في المنطقة لو استُثمرت بكفاءة وشفافية.
ولم يقتصر الأمر على الإنفاق، بل أبرم العراق اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع كبرى الشركات العالمية لتطوير قطاع الطاقة وزيادة السعات التوليدية، من بينها جنرال إلكتريك الأميركية (GE Vernova)، وسيمنز الألمانية (Siemens)، إضافة إلى شراكات مع شركات عالمية مثل Chevron وKBR وExxonMobil، على أمل إنهاء أزمة الكهرباء وتحقيق الاكتفاء الذاتي. إلا أن المواطن العراقي ما زال ينتظر النتائج الملموسة على أرض الواقع.
والأكثر إثارة للاستغراب أن التبريرات الرسمية لم تتغير منذ أكثر من عقدين، وكأنها أسطوانة مشروخة تُعاد كل صيف:
* انخفاض إمدادات الغاز.
* ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأحمال.
* التجاوزات على الشبكة الوطنية.
* العواصف التي أسقطت أعمدة الكهرباء.
* أعمال الصيانة الطارئة.
* تراجع ساعات التجهيز بسبب زيادة الطلب.
هذه الأعذار تتكرر عاماً بعد عام، بينما يبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون الإجابة عنه:
إذا كانت هذه الأسباب معروفة منذ عام 2003، فأين كانت الخطط الاستراتيجية لمعالجتها؟ ولماذا لم تُبنَ منظومة كهربائية قادرة على مواجهة الصيف والعواصف ونقص الوقود بعد كل هذه السنوات؟
إن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد مشكلة فنية، بل أصبحت قضية إدارة وتخطيط ومحاسبة. فالدول تُقاس بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، وليس بعدد التصريحات والمؤتمرات الصحفية.
لقد آن الأوان لفتح هذا الملف بشفافية كاملة، وإجراء مراجعة شاملة لكل العقود والاتفاقيات والمشاريع التي أُبرمت منذ عام 2003، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو هدره للمال العام وفق القانون، لأن المواطن العراقي لم يعد يريد وعوداً جديدة، بل يريد خدمة كهرباء مستقرة تليق ببلد يمتلك ثروات نفطية وغازية هائلة.