نجاح هيفو
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المؤشرات على احتمال اتساع رقعة الصراع. وبين من يرى أن ما يجري لا يتجاوز حرب الرسائل السياسية، ومن يحذر من اقتراب مواجهة عسكرية واسعة، تبدو الحقيقة أكثر تعقيداً؛ فالمنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق، حيث تتداخل حسابات الردع مع مخاطر سوء التقدير، وتتقاطع المصالح الإقليمية والدولية في مشهد بالغ التعقيد.
ورغم أن التصعيد الحالي يتجاوز مجرد التصريحات السياسية، فإنه لا يعني بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة. فالولايات المتحدة وإيران تدركان أن أي مواجهة مباشرة ستكون باهظة الكلفة على الجميع، سياسياً واقتصادياً وأمنياً. لذلك يسعى كل طرف إلى تعزيز قدرته على الردع وإظهار القوة، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بنتائجها. إلا أن استمرار التوتر، وغياب قنوات الحوار الفاعلة، يرفعان من احتمالية وقوع أخطاء في الحسابات قد تدفع بالأحداث إلى مسارات غير محسوبة.
وأي تصعيد عسكري لن يبقى محصوراً بين طرفيه، بل ستكون تداعياته واسعة على أمن واستقرار دول الجوار. فدول الخليج ستواجه تحديات تتعلق بأمن الطاقة، وسلامة الملاحة البحرية، واستقرار الأسواق، فيما سيتأثر الأردن بحكم موقعه الجغرافي وما قد يرافق الأزمة من ضغوط أمنية واقتصادية وإنسانية. كما أن العراق سيكون في قلب أي أزمة إقليمية، الأمر الذي يجعل ضرورة تحييده عن الصراعات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق، يبرز إقليم كوردستان بوصفه أحد أهم عوامل الاستقرار في العراق والمنطقة. فقد استطاع، رغم الأزمات المتلاحقة، أن يحافظ على مستوى عالٍ من الأمن والاستقرار، بفضل سياسة متوازنة انتهجتها قيادته، تقوم على الحوار والانفتاح وبناء علاقات متوازنة مع بغداد، ودول الجوار، والمجتمع الدولي. وقد لعب الرئيس نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني دوراً بارزاً في ترسيخ هذا النهج، عبر اعتماد الدبلوماسية والتعاون الإقليمي كخيار استراتيجي، بما عزز مكانة الإقليم كشريك موثوق في تعزيز الأمن والاستقرار.
كما أثبتت قوات البيشمركة أنها تمثل ركناً أساسياً في المنظومة الأمنية العراقية والإقليمية، بعدما قدمت تضحيات كبيرة في الحرب ضد تنظيم داعش، وأسهمت بصورة فاعلة في حماية المدنيين والدفاع عن أمن العراق والمنطقة. وقد عزز هذا الدور ثقة المجتمع الدولي بالإقليم، ورسخ مكانته باعتباره شريكاً مسؤولاً في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
ومن هنا، فإن الحفاظ على أمن إقليم كوردستان لا يمثل مصلحة محلية فحسب، بل يعد مصلحة عراقية وإقليمية ودولية، لأن استقرار الإقليم ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المنطقة بأكملها. ولذلك ينبغي تحييده عن أي صراعات إقليمية أو استخدام أراضيه كساحة لتصفية الحسابات، حمايةً لمواطنيه وصوناً للمكتسبات السياسية والاقتصادية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
أما فيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، فإن أكثرها ترجيحاً يتمثل في استمرار الضربات المحدودة والردود المتبادلة ضمن إطار محسوب، من دون الوصول إلى حرب شاملة، لأن جميع الأطراف تدرك أن كلفة المواجهة المباشرة ستكون مرتفعة للغاية. غير أن سيناريو اتساع نطاق الصراع ليشمل أكثر من ساحة يظل قائماً، وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، ولا سيما على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. أما السيناريو الأخطر، والمتمثل في اندلاع حرب إقليمية مفتوحة، فيبقى أقل احتمالاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا استمرت دوامة التصعيد وفشلت الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة.
ورغم أن العديد من دول المنطقة طورت قدراتها الأمنية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة، فإن أي حرب واسعة ستفرض تحديات تتجاوز الجانب العسكري، لتشمل الاقتصاد، والأمن الغذائي، والأوضاع الإنسانية، وحركة النزوح واللجوء. وفي هذا الإطار، أثبت إقليم كوردستان قدرته على إدارة الأزمات، سواء خلال الحرب ضد داعش أو في استضافة مئات الآلاف من النازحين واللاجئين، مع المحافظة على مؤسسات الدولة ومستوى مقبول من الاستقرار، وهو ما يعكس نضجاً في الإدارة وحكمة في التعامل مع الأزمات.
إن استمرار هذا الاستقرار يتطلب مزيداً من التنسيق بين بغداد وأربيل، وتعزيز الشراكة الأمنية، إلى جانب دعم المجتمع الدولي للجهود الرامية إلى حماية العراق وإقليم كوردستان من تداعيات الصراعات الإقليمية، بما يضمن عدم تحولهما إلى ساحات للمواجهات بالوكالة.
ورغم كل مظاهر التصعيد، فإن باب الدبلوماسية لم يُغلق بعد. فالتاريخ السياسي الحديث يؤكد أن كثيراً من الأزمات الكبرى انتهت على طاولة المفاوضات بعد مراحل من التصعيد، وأن منطق المصالح غالباً ما ينتصر في النهاية على منطق القوة.
ومن هنا، فإن إعادة تفعيل قنوات الحوار، واحترام القانون الدولي، واعتماد الحلول السياسية، تمثل المسار الأكثر واقعية لتجنب كارثة إقليمية جديدة.
وفي ظل هذه الظروف الدقيقة، تبرز تجربة إقليم كوردستان بوصفها نموذجاً في تبني سياسة الاعتدال والانفتاح والحوار، وهي سياسة أسهمت في حماية الإقليم وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية، وأثبتت أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالحكمة، والدبلوماسية، وبناء الثقة مع الشركاء.
إن المنطقة اليوم ليست بحاجة إلى حرب جديدة، بل إلى رؤية سياسية شجاعة تضع مصالح الشعوب فوق الحسابات العسكرية، وتؤمن بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بتبادل الضربات، وإنما بإرساء الاستقرار، وتعزيز التعاون، وإعطاء الدبلوماسية فرصة حقيقية قبل أن يدفع الجميع ثمن مواجهة لن يكون فيها منتصر، بينما ستكون الشعوب هي الخاسر الأكبر.