نبيل عبد الأمير الربيعي
العلاقات بين إيران ودول الخليج ليست مجرد علاقة جوار جغرافي، بل هي واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في الشرق الأوسط، إذ تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والمذهب والتاريخ والهوية. ولهذا فإن أي مواجهة عسكرية بين الطرفين لا تقاس بنتائجها الميدانية فقط، بل بما تخلفه من تحولات في ميزان الثقة السياسية.
خلال السنوات الأخيرة سعت طهران إلى إعادة ترميم علاقاتها مع البيئة الخليجية بعد مرحلة طويلة من التوتر. وجاء الاتفاق السعودي– الإيراني عام 2023 بوساطة صينية بوصفه مؤشراً على رغبة متبادلة في الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة خفض التصعيد. غير أن الاعتداءات العسكرية على دول الخليج أعادت طرح السؤال الجوهري: (هل تستطيع إيران الجمع بين خطاب المصالحة وسلوك القوة)؟
لم تكن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج حدثاً عسكرياً فحسب، بل مثلت نقطة تحول في البيئة السياسية والإستراتيجية للمنطقة. فحتى الدول التي كانت تسعى إلى تخفيف التوتر مع طهران، وإعادة بناء جسور الثقة معها، وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة تقييم علاقاتها وحساباتها الأمنية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الهجمات الإيرانية طالت عدداً من دول الخليج، وأثارت إدانات واسعة، وأعادت ترتيب أولويات الأمن الإقليمي.
لقد أدركت إيران، منذ سنوات، أن تحسين علاقاتها مع دول الخليج يشكل ضرورة اقتصادية وسياسية في ظل العقوبات الدولية والضغوط الداخلية. وشهدت المرحلة الماضية محاولات للحوار، كان أبرزها التقارب مع المملكة العربية السعودية بوساطة صينية، إضافة إلى قنوات اتصال مع الإمارات وقطر وسلطنة عمان. غير أن استخدام القوة العسكرية ضد دول الخليج يهدد بإضعاف الثقة التي بنيت بصعوبة خلال تلك المرحلة.
والواقع أن العلاقات الدولية لا تقوم على النوايا، وإنما على الشعور بالأمن. فعندما تتعرض دولة لهجوم صاروخي أو بطائرات مسيرة، فإنها تعيد النظر في أولوياتها الدفاعية وتحالفاتها السياسية، حتى وإن كانت تفضل في الأصل سياسة التهدئة.
ومن الناحية الإستراتيجية، حققت إيران قدرة على إظهار أنها تمتلك وسائل ضغط مؤثرة، لكن هذه القدرة جاءت بكلفة سياسية مرتفعة. فبدلاً من توسيع دائرة الشركاء، عززت المخاوف الخليجية من أن تصبح أراضيها ساحة للصراع الإقليمي، وهو ما دفع إلى تنسيق دفاعي وأمني أكبر بين دول المنطقة وشركائها.
كما أن هذه التطورات لا تؤثر في الجانب الأمني وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد. فدول الخليج تعتمد على استقرار الملاحة والطاقة والاستثمار، وأي تهديد للممرات البحرية أو المنشآت الحيوية ينعكس على الأسواق العالمية، ويجعل الاستقرار هدفاً تتفق عليه معظم العواصم الخليجية بغض النظر عن اختلافاتها السياسية.
المشكلة التي تواجه إيران أن كثيراً من العواصم الخليجية باتت تنظر إلى سلوكها بوصفه أقرب إلى الإكراه منه إلى الردع. فعندما تستخدم الصواريخ أو الطائرات المسيرة ضد أهداف داخل دول الخليج، فإن الرسالة المتلقاة لا تكون (نحن نردع خصومنا)، بل (نحن قادرون على نقل الصراع إلى أراضيكم).
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال المشهد في معادلة (رابح وخاسر). فما زالت بعض دول الخليج تحرص على إبقاء قنوات الحوار مع إيران مفتوحة، إدراكاً منها أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن أمن الخليج لا يمكن أن يستقر عبر المواجهة الدائمة وحدها. وفي المقابل، فإن استمرار سياسة التصعيد من شأنه أن يوسع الفجوة الدبلوماسية ويجعل استعادة الثقة أكثر صعوبة.
إن الدرس الأبرز الذي تكشفه هذه الأحداث هو أن النفوذ الإقليمي لا يقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على بناء الثقة مع الجوار. فالدولة التي تشعر محيطها بالأمان تكسب شركاء، أما الدولة التي تشعره بالتهديد، فإنها تدفعه إلى البحث عن تحالفات جديدة ووسائل دفاع إضافية.
وبذلك، يمكن القول إن الاعتداءات على دول الخليج لم تقتصر آثارها على الميدان العسكري، بل امتدت إلى المجال السياسي والدبلوماسي، حيث أضعفت جانباً من الرصيد الذي راكمته طهران عبر سنوات من محاولات الانفتاح، وأكدت مرة أخرى أن القوة قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها قد تفرض أثماناً إستراتيجية بعيدة المدى إذا جاءت على حساب الثقة والاستقرار.