مصطفى حسين الفيلي
لطالما وُصفت السينما بأنها مرآة المجتمع، لأنها تنقل هموم الناس، وتعكس ثقافتهم، وتوثق تحولاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فمن خلال الشاشة الكبيرة، نرى قصص الإنسان العادي، وأحلامه، وصراعاته، وانتصاراته وإخفاقاته. لكن هذا الوصف، على أهميته، لا يكشف سوى جانب واحد من حقيقة السينما.
فالسينما لا تكتفي بعكس الواقع، بل تمتلك القدرة على إعادة تشكيله. فالفيلم ليس مجرد تسجيل للأحداث، وإنما رؤية فنية وفكرية يقدّمها صانع العمل، تحمل رسائل وقيمًا وأفكارًا قد تؤثر في وعي الجمهور وسلوكهم. ومن هنا، تصبح السينما قوة ناعمة قادرة على صناعة الرأي العام، وليس فقط تصويره.
لقد أدركت دول كثيرة هذه الحقيقة، فاستثمرت في صناعتها السينمائية بوصفها أداة للتأثير الثقافي وتعزيز صورتها أمام العالم. فكم من فيلم غيّر نظرة الشعوب إلى قضية معينة، أو أعاد تشكيل صورة بلد، أو أثار نقاشًا واسعًا حول قضية إنسانية أو اجتماعية؟ إن تأثير السينما لا يقاس فقط بعدد التذاكر المباعة، بل بقدرتها على ترسيخ الأفكار في الذاكرة الجمعية.
وفي المقابل، تتحمل السينما مسؤولية أخلاقية كبيرة. فعندما تُقدَّم صورة مشوهة عن مجتمع أو فئة معينة، فإنها قد تكرّس صورًا نمطية يصعب تجاوزها. وعندما تُقدَّم قيم إيجابية، فإنها تسهم في بناء وعي أكثر انفتاحًا وتسامحًا. ولهذا، فإن اختيار الموضوعات وطريقة معالجتها ليس قرارًا فنيًا فحسب، بل هو قرار ثقافي واجتماعي أيضًا.
أما السينما العراقية، فهي تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لتكون أكثر من مجرد ناقل للواقع. إنها مطالبة بصناعة خطاب بصري يعكس هوية المجتمع العراقي بكل تنوعه، ويطرح أسئلته الكبرى، ويقدم روايته للعالم بعيدًا عن الصور الجاهزة والأحكام المسبقة. فالفيلم العراقي يمكن أن يكون وسيلة للحفاظ على الذاكرة، وتعزيز الانتماء، وإيصال صوت الإنسان العراقي إلى جمهور أوسع.
إن العلاقة بين السينما والمجتمع ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة تأثير متبادل؛ فالمجتمع يُلهم السينما، والسينما تعيد تشكيل وعي المجتمع. لذلك، فإن السؤال: هل السينما مرآة المجتمع أم صانعة للرأي العام؟ قد لا تكون له إجابة واحدة، لأن السينما الناجحة هي التي تجمع بين الأمرين؛ تعكس الواقع بصدق، وتسهم في تغييره نحو الأفضل.