د. فیصل صادق توفيق
دكتوراه في القانون الدستوري
قراءة في مفارقة الثروة والحرمان، بين حملات مكافحة الفساد وواقع ملايين العراقيين الذين ما زالوا ينتظرون العدالة الاجتماعية.
في مشهد استوقف العراقيين خلال الأيام الماضية، تصدرت وسائل الإعلام أخبار حملات مداهمة وتنفيذ مذكرات قبض بحق عدد من المسؤولين والمتهمين بقضايا فساد، وما رافقها من الإعلان عن ضبط مبالغ مالية كبيرة وموجودات ثمينة في بعض المواقع التي جرى تفتيشها. وبينما يترقب الجميع ما ستسفر عنه التحقيقات وما ستقوله الكلمة القضائية الفصل، عاد إلى الواجهة سؤال لم يفارق ضمير العراقيين منذ أكثر من عقدين: كيف لبلد يمتلك كل هذه الثروات أن يبقى أسيرا للفقر والحرمان؟
للاجابة على هذا التساؤل يمكننا القول ان القضية لا تتعلق بمجرد اكتشاف أموال أو إلقاء القبض على مسؤولين، بل تتعلق بنموذج كامل من الإدارة والحوكمة أفضى إلى أن يعيش العراق، وهو أحد أكبر البلدان النفطية في العالم، مفارقة يصعب تفسيرها؛ فكلما ارتفعت الإيرادات العامة، ازداد شعور المواطن بأن نصيبه من تلك الثروة يتضاءل، وكلما ازدادت الموارد، اتسعت الفجوة بين ثراء القلة وضيق عيش الأكثرية.
وتستحضر الذاكرة هنا المقولة المتداولة والمنسوبة إلى رجل الأعمال من جنوب السودان، أكول كوين أكول حين ترك البلاد نتيجة ملاحقته حول مصدر ثروته: “لماذا تحقق الحكومة في مصدر ثروتي اليوم ، ولم تحقق في مصدر فقري عندما كنت فقيرا”. قد لا تكون هذه العبارة موجهة إلى العراق تحديدا، لكنها تختزل معاناة شعوب كثيرة، ومنها الشعب العراقي. فالدولة مطالبة اليوم، كما تحقق في مصادر الثروات غير المشروعة، أن تحقق أيضا في مصادر الفقر، وأن تسأل نفسها: كيف وصل ملايين المواطنين إلى هذا المستوى من العوز في بلد بلغت عائداته النفطية، خلال العقدين الماضيين، مئات المليارات من الدولارات؟. لقد أصبح الفساد في العراق، للأسف، حقيقة تؤكدها المؤشرات الدولية قبل أن يرويها المواطنون. فمنذ سنوات طويلة يحتل العراق مراتب متأخرة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وظل قريبا من ذيل القائمة العالمية. ووفق أحدث المؤشرات، حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة، وهو ما يعكس استمرار التحديات البنيوية في بناء مؤسسات نزيهة وفعالة، رغم تعدد الحكومات، وكثرة الوعود، وتكرار شعارات الإصلاح. ولم يكن هذا التراجع مجرد رقم في تقرير دولي، بل كانت له كلفة باهظة دفعها المواطن العراقي من أمنه، وصحته، وتعليمه، ومستقبله. فكل مشروع متلكئ يعني مدرسة لم تُبنَ، وكل صفقة مشبوهة تعني مستشفى لم يجهز، وكل رشوة تعني فرصة عمل ضاعت على شاب ينتظر مستقبله، وكل مليار يهدر يعني آلاف الأسر التي ستبقى رهينة الفقر والبطالة والحرمان.
وتكشف الإحصاءات الرسمية أن الفقر ما زال يضرب بقوة عددا من المحافظات العراقية، ورغم ان محافظات اقليم كوردستان تشهد نمو اكثر ونسب الفقر لا تنجاوز بين ٨ %، إذ تتجاوز نسبته في بعض المناطق الاخرى في العراق 40%، بل تصل في مناطق أخرى إلى أكثر من 50%، بينما تسجل محافظات أخرى نسبا أقل، وهو ما يعكس تفاوتا صارخا في التنمية والعدالة الاجتماعية داخل البلد الواحد.
ورغم أن العراق يمتلك ثروة نفطية هائلة، فإن المواطن ما زال يخوض معركة يومية من أجل تأمين أبسط احتياجاته. فهو يبحث عن كهرباء مستقرة في بلد يعد من كبار منتجي النفط، وعن ماء صالح للشرب على ضفاف دجلة والفرات، وعن فرصة عمل تحفظ كرامته، وعن مستشفى يعالجه، ومدرسة تؤمن مستقبل أبنائه، وسكن يقيه حر الصيف وبرد الشتاء.
لقد أصبح مشهد الفقر مألوفا في كثير من المدن؛ شباب عاطلون عن العمل، وخريجون ينتظرون سنوات طويلة دون فرصة، وعائلات تكافح تحت خط الفقر، وأطفال اضطروا إلى ترك مقاعد الدراسة بحثاً عن لقمة العيش، فيما لا تزال الخدمات الأساسية دون المستوى الذي يليق ببلد يمتلك واحدة من أكبر الثروات الطبيعية في العالم. وفي المقابل، تكشف بعض قضايا الفساد عن صور لثراء فاحش يصعب على المواطن العادي أن يستوعبه؛ قصور فارهة، وأرصدة ضخمة، وممتلكات مترفة، وأنماط حياة لا تشبه واقع المجتمع الذي خرجت منه تلك الأموال. إنها مفارقة مؤلمة؛ قلة قليلة تعيش في مستوى من الرفاه يكاد يكون خياليا، بينما تكافح الأغلبية من أجل أبسط مقومات الحياة الكريمة. غير أن القضية ليست قضية حسد بين فقير وغني، فالإسلام والقانون والدستور جميعها تحمي الملكية المشروعة وتحترم حق الإنسان في الكسب الحلال. إنما تكمن المشكلة عندما تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للإثراء غير المشروع، وعندما يصبح المال العام طريقا لبناء الثروات الخاصة، بينما تتراجع الخدمات، وتتسع رقعة الفقر، ويزداد شعور المواطن بأن الدولة لم تعد تمثل مصالحه بقدر ما أصبحت عاجزة عن حمايتها. لقد اعتاد العراقيون، مع كل حملة لمكافحة الفساد، أن يعلقوا آمالاً كبيرة على أن تكون بداية لمرحلة جديدة، لكن التجارب السابقة علمتهم أن المشكلة ليست في غياب القوانين. فالعراق يمتلك منظومة قانونية ورقابية واسعة تضم هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والادعاء العام، والأجهزة القضائية والأمنية. إنما تكمن الأزمة في قدرة هذه المؤسسات على العمل باستقلالية، وفي تحويل سيادة القانون من شعار يُرفع إلى ممارسة تُطبق على الجميع دون استثناء أو انتقائية.
إن مكافحة الفساد لا تبدأ عند مداهمة منزل مسؤول، بل تبدأ يوم يعين الموظف على أساس الكفاءة لا المحسوبية، ويوم تمنح العقود على أساس المنافسة لا الوساطة، ويوم يصبح المنصب تكليفا لخدمة الناس لا وسيلة لبناء الثروات. فحين تستقيم الإدارة، ينحسر الفساد تلقائيا، وحين تغيب الحوكمة الرشيدة، يتحول الفساد إلى ثقافة تتغلغل في مفاصل الدولة. والحقيقة التي يجب أن تقال بشجاعة هي أن الفساد لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق ثقة المواطن بدولته. فحين يرى المواطن أن القانون يطبق على الضعيف ويتردد أمام القوي، تتزعزع ثقته بالعدالة. وحين يشاهد أن الوظائف تُمنح بالمحسوبية، وأن الخدمات تُقدم وفق النفوذ لا وفق المواطنة، يشعر بأن الانتماء إلى الدولة لم يعد ضمانة لحقوقه، بل أصبح عبئا يتحمله وحده.
ولذلك فإن معركة العراق الحقيقية ليست مع أفراد فاسدين فحسب، بل مع البيئة التي أنتجت الفساد وحمته وأتاحت له أن يتجذر طوال سنوات. فاستبدال الأشخاص، من دون إصلاح المؤسسات، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة. إن نجاح الحملة الحالية لن يُقاس بعدد مذكرات القبض، ولا بحجم الأموال التي تُعرض أمام عدسات الكاميرات، بل بقدرتها على الوصول إلى منظومة الفساد لا إلى أفرادها فقط، واسترداد الأموال المنهوبة، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: أبناء هذا الشعب. فالمدرسة التي تُبنى من المال المسترد، أهم من صورة خزنة ممتلئة بالنقود. والمستشفى الذي يفتح أبوابه للفقراء، أعظم أثرا من مؤتمر صحفي يعرض المضبوطات. والطريق الذي ينجز، وفرصة العمل التي تُخلق، والمشروع الذي يرى النور، هي المقياس الحقيقي لنجاح أي معركة ضد الفساد. ثم إن استعادة الأموال المنهوبة، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالعدالة الحقيقية تقتضي أن تُوجه تلك الأموال إلى مشاريع يشعر بها المواطن مباشرة؛ إلى المدن المحرومة، والقرى المنسية، والمستشفيات المتهالكة، والمدارس المكتظة، وشبكات الماء والكهرباء، وإلى خلق فرص عمل تعيد للشباب ثقتهم بوطنهم، حتى يرى العراقي أن المال الذي سرق منه قد عاد إليه في صورة خدمة أو مشروع أو فرصة حياة. إن العراق لا يعاني من نقص في الثروات، بل من أزمة في إدارتها، ولا من قلة في الإمكانات، بل من ضعف في ترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون. وما دام الفساد قادرا على تحويل المال العام إلى ثروات خاصة، فسيظل الفقر يحول أحلام الملايين إلى معاناة يومية. إن فتح السراديب التي أخفيت فيها المليارات خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية؛ فالنهاية الحقيقية تبدأ يوم تغلق سراديب الفساد في مؤسسات الدولة، ويشعر المواطن أن العدالة لا تعرف اسما ولا منصبا ولا نفوذا. عندها فقط سيؤمن العراقيون أن القانون لم يعد يطارد الفساد بعد وقوعه، بل يمنع ولادته من الأساس. فالأوطان لا تبنى بالنفط وحده، ولا بالثروات المكدسة، وإنما تبنى بالنزاهة، والعدالة، وسيادة القانون، وبإنسانٍ يشعر أن وطنه أنصفه قبل أن يطالبه بالولاء له.