مصر والعراق: جذور الثنائية وتحديات المستقبل عمق تاريخي يمتد لعقود وشراكة استراتيجية تعيد تعريف العلاقات العربية

محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية

في مشهد عربي متغير، تبرز العلاقة بين مصر والعراق كنموذج فريد للثنائية الاستراتيجية، حيث تمتد جذورها إلى عمق التاريخ الحديث، وتتطلع اليوم إلى آفاق أرحب من التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني.

الجذور التاريخية: شراكة المؤسسين

تعود جذور العلاقات المصرية العراقية إلى منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، حين كان البلدان من المؤسسين لجامعة الدول العربية عام 1945. وشهدت تلك الفترة توقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مهمة، أبرزها اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ومشروع الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا، ومشاركتهما في السوق العربية المشتركة. هذا الإرث المشترك خلق أرضية صلبة للتعاون، استمرت رغم تقلبات السياسة الإقليمية.

طفرة اقتصادية غير مسبوقة

تشهد العلاقات الاقتصادية اليوم نقلة نوعية، تجسدت في الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى بغداد، والتي أسفرت عن توقيع 12 مذكرة تفاهم في مجالات متنوعة. ولم تكن هذه الاتفاقيات وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لمسيرة تعاون بدأت بتوقيع 11 مذكرة تفاهم في يونيو 2023، تم توسيعها وتنويعها لاحقاً.

الأرقام تعكس طموحاً كبيراً؛ إذ أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن التعاقدات مع الشركات المصرية تجاوزت 600 مليار دينار عراقي (نحو 460 مليون دولار). وتسعى مصر إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى مليار دولار سنوياً، بعد أن سجلت الصادرات المصرية للعراق ارتفاعاً بنسبة 14.2% في الربع الأول من عام 2022، والصادرات العراقية لمصر بنسبة 11.3%.

وشملت مذكرات التفاهم محاور حيوية: النقل البري للأشخاص والبضائع، التعاون في مجال التنمية المحلية بين أمانة بغداد ومحافظة القاهرة، التبادل الثقافي والأثري، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى التعاون في بناء وتشغيل الصوامع. هذا التنوع يعكس رغبة حقيقية في بناء شراكة متكاملة.

تحديات المستقبل: بين الطموح والمعوقات

لكن الطريق إلى شراكة استراتيجية كاملة لا يخلو من تحديات. يرى الخبير الاقتصادي عامر الجواهري أن نجاح هذه المذكرات يعتمد بشكل كبير على مدى جدية الطرفين في تطبيقها ومتابعتها على أرض الواقع، محذراً من أن تبقى حبراً على ورق دون تحويلها إلى مشاريع ملموسة.

ويضيف الجواهري أن التحدي الأكبر يكمن في آلية التمويل، فمع أن العراق بحاجة ماسة إلى الخبرات المصرية في مشاريع البنى التحتية والخدمات، فإن الاعتماد على التمويل العراقي قد يضغط على العملة المحلية لاستيراد المواد الأولية. أما الخبير الاقتصادي مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء العراقي، فيرى أن هذه المذكرات تمثل اللبنة الأولى لاتفاقات أكبر في المستقبل، وأنها تساهم في تحقيق التنمية المستدامة بالعراق، فيما تستفيد مصر من قدرات العراق التاريخية وموارده الاقتصادية.

التنسيق السياسي: رؤى متطابقة

على الصعيد السياسي، يبدو التطابق في الرؤى بين القاهرة وبغداد واضحاً، خاصة تجاه القضايا الإقليمية المصيرية. أكد السفير المصري في بغداد أحمد سمير تطابق الرؤى بين مصر والعراق في العديد من الملفات على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد تجلى ذلك في المواقف المعلنة رفضاً للعدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية.

كما يشترك البلدان في القلق من التصعيد الإقليمي، مع تأكيد دعم مصر لوحدة العراق واستقلال مؤسساته الوطنية. هذا التقارب السياسي يعزز الثقة المتبادلة ويخلق مناخاً مناسباً لتعميق التعاون الاقتصادي.

نحو شراكة استراتيجية شاملة

العلاقة بين مصر والعراق اليوم تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي، لتشكل ركيزة أساسية في المعادلة العربية. وتكتسب زيارات المسؤولين رفيعة المستوى أهمية خاصة في ترجمة هذه العلاقات إلى واقع ملموس.

يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الزيارات والاتفاقيات إلى شراكة استراتيجية شاملة تعيد تعريف العلاقات العربية، أم ستظل رهينة التحديات الاقتصادية والإقليمية؟ الأرقام والاتفاقيات ترسم صورة وردية، لكن الإرادة السياسية والآليات التنفيذية هي ما سيحدد ملامح المستقبل.

قد يعجبك ايضا