الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
تكتسب زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى العاصمة الأميركية واشنطن أهمية استراتيجية بالغة بالنظر إلى توقيتها وأجندتها الشاملة، ولا تقتصر تداعيات هذه الزيارة على بغداد فحسب، بل تمتد بشكل مباشر إلى إقليم كوردستان، الذي يرى في صياغة العلاقات الاتحادية مع الولايات المتحدة فرصة وتحدياً في آن واحد.
فمن المنظور السياسي، يأتي الطرح الحكومي المتمثل في الانتقال بالعلاقات الثنائية من “إدارة الأزمات إلى خلق الفرص” ليضع مبادئ الشراكة الحقيقية والتوازن والتوافق تحت مجهر الاختبار العملي.
إن نجاح بغداد في تقديم العراق كدولة ذات سيادة تقف على مسافة واحدة من الصراعات الإقليمية يعتمد بنيوياً على تحقيق توازن داخلي مستدام، حيث يمثل استقرار الإقليم ركيزة أساسية لأي استقرار وطني شامل، وبما أن المحادثات ترتكز على اتفاقية الإطار الاستراتيجي وتوسيعها، فإن إدراج مصالح الإقليم وضمان تمثيله في الرؤية العراقية الموحدة تجاه واشنطن يعزز من قوة الموقف التفاوضي العراقي ويدعم التوافق السياسي الداخلي، لاسيما في ظل التزام الحكومة الاتحادية بحصر السلاح ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وهو الملف الذي يحظى باهتمام بالغ في أربيل كونه الضمانة الأساسية لحماية السيادة والاستقرار الإقليمي والمحلي.
ومن منظور أدبيات العلاقات الدولية والنظم الفيدرالية المقارنة، فإن معادلة الشراكة بين الاتحاد والأقاليم ذات الخصوصية القومية أو الثقافية ليست حكراً على الحالة العراقية، بل تجد مصاديقها في تجارب عالمية رصينة، فحين تصيغ حكومات دول مثل كندا أو بلجيكا أو إسبانيا سياساتها الخارجية أو تبرم اتفاقيات اقتصادية كبرى، فإنها تنطلق من مبدأ “الفيدرالية الدبلوماسية” أو ما يعرف في الفقه السياسي بـ “السياسة الخارجية المركبة”، حيث لا يمكن للاتحاد احتكار القرارات الاستراتيجية دون الأخذ بالحسبان المصالح الحيوية للأقاليم مثل مقاطعة كيبيك الكندية أو إقليم الباسك في إسبانيا أو الكيانات الفيدرالية البلجيكية، إذ أثبتت هذه النماذج أن القوة التفاوضية للدولة الاتحادية في المحافل الدولية، كواشنطن، تستمد زخمها من متانة التوافق الداخلي وتوزيع الصلاحيات والدبلوماسية الاقتصادية المشتركة، وهو ما يتطلب من بغداد في هذه المرحلة تبني مقاربة شبيهة تعزز من مركزية الدولة وتضمن في الوقت ذاته الخصوصية الدستورية لإقليم كوردستان.
وفي هذا السياق التشاركي، تتجه أنظار إقليم كوردستان نحو ما ستسفر عنه لقاءات واشنطن، منتظراً من هذه الزيارة خطوات ملموسة تترجم وعود الشراكة الحقيقية والتوافق إلى واقع أمني وسياسي واقتصادي.
إذ يتطلع الإقليم إلى أن تسهم المباحثات في تعزيز مظلة الحماية الدولية والاستقرار الأمني عبر مخرجات واضحة لملف إنهاء مهمة قوات التحالف، بما يضمن عدم نشوء فراغ أمني تستغله الفصائل المسلحة لتهديد استقرار الإقليم.
كما يترقب مجتمع الأعمال والقرار في أربيل أن تؤدي الزيارة إلى فك عقدة قطاع الطاقة العراقي وتوفير غطاء دولي يدعم استئناف صادرات الإقليم النفطية المتوقفة، فضلاً عن ضمان حصة عادلة وشاملة من الاستثمارات الأميركية الموعودة للبنية التحتية والتكنولوجيا الرقمية، بما ينعش موازنة الإقليم المجهدة.
إن ما ينتظره كوردستان هو ألا تقتصر ثمار الدبلوماسية العراقية الجديدة في واشنطن على مایسمی بـ”المركز”، بل أن تؤسس لالتزام أمريكي-اتحادي يضمن حقوق الإقليم الدستورية ككيان فيدرالي شريك ومعترف به دولياً.
أما من المنظور الاقتصادي، فإن التوجه العراقي نحو تفعيل الاستثمارات الأميركية في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والتصنيع، والتكنولوجيا يفتح آفاقاً رحبة لإقليم كوردستان للاستفادة من هذه الديناميكية الجديدة، خاصة بعد الخسائر الكبيرة في الإيرادات الناجمة عن توقف صادرات النفط، والتي أثرت بشكل مباشر على موازنة الإقليم واقتصاده.
إن سعي الحكومة الاتحادية لجلب شركات أميركية متخصصة لرفع الطاقة الإنتاجية وإنشاء صناديق استثمارية نفطية مقابل تعزيز إمدادات الطاقة يمثل فرصة لإعادة صياغة التعاون النفطي والتجاري بين بغداد وأربيل على أسس متينة تضمن تدفق الاستثمارات إلى كافة المحافظات العراقية بما فيها الإقليم.
وفي المحصلة، فإن رؤية إقليم كوردستان لهذه الزيارة تنطلق من كونه شريكاً حقيقياً في رسم مستقبل العلاقات العراقية الأميركية، حيث يتكامل البعدان السياسي والاقتصادي ليؤكدا أن الانفتاح على النظام المالي العالمي وجذب الكارتلات الاستثمارية الكبرى يتطلبان التزاماً راسخاً بالتوافق الداخلي والتوزيع العادل للفرص التنموية، مما يحول الطموحات المشتركة إلى تقدم اقتصادي ملموس ينعكس إيجاباً على استقرار العراق والمنطقة.