زيارة الزيدي إلى واشنطن… محطة لإعادة صياغة الشراكة الاستراتيجية

عرفان الداوودي

تأتي زيارة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن في مرحلة دقيقة تمر بها المنطقة، حيث تتقاطع التوترات الإقليمية المتصاعدة مع تحديات المشهد السياسي الداخلي، لتجعل من هذه الزيارة أكثر من مجرد لقاءات دبلوماسية، بل محطة مفصلية لإعادة صياغة العلاقات العراقية الأمريكية على أسس جديدة تراعي المصالح المشتركة وتحفظ سيادة العراق واستقراره.

لقد دخلت العلاقات بين بغداد وواشنطن مرحلة تتطلب مراجعة شاملة لآليات التعاون الاستراتيجي، في ظل التحولات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة. ولم يعد التعاون العسكري وحده كافياً، بل باتت الحاجة ملحة إلى شراكة متكاملة تشمل الأمن والاقتصاد والطاقة والاستثمار ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات.

ويتصدر الملف الأمني جدول أعمال المباحثات بين الجانبين، في ظل استمرار التهديدات الإرهابية، وتصاعد التوترات الإقليمية، وما تفرضه من تحديات على الأمن الوطني العراقي. ومن هذا المنطلق، تمثل الزيارة فرصة لتعزيز التعاون الاستخباري والتقني وتطوير قدرات القوات الأمنية العراقية، بما يضمن حماية البلاد وترسيخ الاستقرار بعيداً عن أي تدخلات أو صراعات إقليمية.

وفي الداخل، يواجه العراق تحديات لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية، وفي مقدمتها قضية حصر السلاح بيد الدولة، التي تعد ركناً أساسياً في بناء دولة القانون والمؤسسات. وقد جعل رئيس الوزراء هذا الملف من أولويات برنامجه الحكومي، انطلاقاً من مبدأ أن الدولة لا يمكن أن تستكمل سيادتها ما لم تكن صاحبة القرار الأمني الوحيد، وأن احتكار القوة الشرعية هو الأساس في ترسيخ الأمن والاستقرار.

كما يحتل ملف مكافحة الفساد موقعاً متقدماً في برنامج الحكومة، بعدما تحولت شبكات الفساد خلال السنوات الماضية إلى أحد أكبر معوقات التنمية والإعمار. فاستعادة الأموال المنهوبة، وملاحقة كبار الفاسدين، وتعزيز استقلالية القضاء، وإرساء مبادئ الشفافية والمساءلة، تمثل جميعها عناصر أساسية في استعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تمثل الزيارة فرصة لفتح آفاق جديدة أمام الشركات الأمريكية للاستثمار في العراق، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والاقتصاد الرقمي والصناعة والزراعة. فالعراق يمتلك إمكانات كبيرة تؤهله ليكون بيئة جاذبة للاستثمار إذا ما توافرت البيئة القانونية والإدارية المستقرة.

إن نجاح الزيارة لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي قد يتم توقيعها، وإنما بقدرتها على ترجمة التفاهمات إلى برامج عملية تنعكس على حياة المواطنين، وتعزز الأمن، وتدعم الاقتصاد، وتؤسس لعلاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وفي المحصلة، تبدو واشنطن اليوم محطة مهمة لإعادة صياغة الشراكة الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة، بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية، ويعزز مكانة العراق كدولة ذات سيادة قادرة على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، وتحقيق تطلعات شعبها في الأمن والاستقرار والتنمية، بعيداً عن الصراعات والمحاور، وبما يخدم المصلحة الوطنية العليا .

قد يعجبك ايضا