سجل الناخبين 2026.. تعليمات المفوضية تنسف المادة 140 الدستورية

صلاح بكر*

​تتجاوز الضوابط التنفيذية التي أصدرتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لعام 2026 بشأن آليات التسجيل البايومتري عتبة التنظيم التقني، لتشكل مساساً دستورياً وقانونياً مباشراً بالمقررات التشريعية العليا، وفي مقدمتها المادة 140 من الدستور العراقي الدائم لعام 2005. ففي الوقت الذي تتذرع فيه المفوضية بضبط المسارات التكنولوجية وتطهير سجل الناخبين، تؤدي هذه الإجراءات عملياً إلى فرض قيود ديمغرافية جائرة تصادر الحقوق السياسية لشرائح واسعة من المواطنين في المناطق المتنازع عليها.

​إن الخطورة الحقيقية لهذه التعليمات تكمن في تعطيلها المباشر لآلية “التطبيع” التي نصت عليها المادة 140 كخطوة أساسية لمعالجة التغييرات السكنية والانتخابية التي لحقت بالمرحّلين والوافدين. وحيث تنص المادة (أولاً/3) من تعليمات المفوضية على إبقاء مركز الاقتراع كما هو وتجميد أي عملية تغيير أو نقل للقيود الانتخابية داخل أو خارج المحافظة، فإن هذا الإجراء يترجم عملياً كعملية تثبيت قسرية لواقع ديمغرافي مشوه. هذا المنع يحرم آلاف النازحين والعائدين حديثاً إلى مواطنهم الأصلية (في كركوك، وسنجار، ومناطق من ديالى وصلاح الدين والموصل) من حقهم في توطين أصواتهم انتخابياً، مما يكرس نتائج سياسات التهجير السابقة بدلاً من تفكيكها.

​تتجلى أوجه هذا التقويض الدستوري في النقاط المحددة الآتية:

۱. ​تجميد عملية “التطبيع” الدستورية: عبر منع نقل أو تغيير مراكز الاقتراع، مما يثبّت الأمر الواقع الناتج عن التهجير.

۲. ​مصادرة الهوية الانتخابية للمهجّرين والنازحين: بحرمان آلاف المواطنين العائدين من التسجيل في دوائرهم التاريخية الحقيقية.

۳. ​تغليب الوثيقة الإدارية المؤقتة: برهن عملية الإضافة بالبطاقة التموينية المعاصرة وتجاهل قيود السجلات المعتمدة لتعداد العام 1957.

٤. ​فرض معايير بيروقراطية موحدة: بإخضاع مناطق النزاع ذات الحساسية السياسية لتعليمات جامدة لا تراعي خصوصيتها الدستورية.

٥. ​إنتاج سجل انتخابي غير شرعي: بصياغة سجل ناخبين يعتمد على إفرازات النزوح القسري لا على الحق القانوني الدستوري.

​الرؤية العلاجية… نحو مواءمة إجرائية دستورية

​لمعالجة هذا التداخل الخطير وتفادي إنتاج سجل انتخابي مطعون في شرعيته، يغدو من الضروري قيام مجلس المفوضين بإصدار ملحق تنفيذي خاص يستثني المناطق المشمولة بالمادة 140 من ضوابط التجميد الإجرائي. يتطلب هذا العلاج القانوني فتح مراكز تسجيل بايومترية متخصصة ومتحركة تتيح نقل القيود الانتخابية وتحديثها بناءً على “الاحتكام للقيود التاريخية وإحصاءات لجان المادة 140″، بدلاً من الاعتماد الحصري على البطاقة التموينية الحالية. كما يجب التنسيق المشترك بين المفوضية واللجنة العليا لتنفيذ المادة 140 لاعتماد قاعدة بيانات موحدة تضمن تدقيق استمارات “الإضافة” و”التصحيح” في تلك المناطق، بما يضمن صيانة التكنولوجيا البايومترية كأداة لخدمة العدالة الدستورية، لا كوسيلة لترسيخ التشوهات الديمغرافية.

*مختص في الشأن الانتخابي

قد يعجبك ايضا