مصطفى طارق الدليمي
قال الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو أن القوانين يجب أن تلائم طبيعة المجتمع الذي تُطبَّق فيه لا أن تُفرض عليه بمعزل عن واقعه وبعد أكثر من عشرين عاماً على إقرار دستور العراق لعام 2005 يعود هذا القول ليطرح نفسه بإلحاح فهل ما تزال الوثيقة الدستورية قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق أم أن الوقت قد حان لمراجعة نصوصها بما ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة؟ فمنذ إقراره ظل الدستور محوراً لجدلٍ لم ينقطع وتحولت بعض مواده إلى مصدر لتفسيرات متباينة وأزمات سياسية متكررة حتى بات السؤال لا يدور حول كيفية تطبيقه فحسب انما حول مدى قدرته على الاستمرار بوصفه الإطار الناظم للحياة السياسية العراقية
عندما طُرح دستور عام 2005 على الاستفتاء الشعبي نال تأييد نحو تسعة وسبعين في المئة من الناخبين وأُقر بموافقة خمس عشرة محافظة من أصل ثماني عشرة آنذاك بدا الأمر خطوة تاريخية نحو بناء دولة جديدة لكن السنوات اللاحقة كشفت أن الوثيقة كُتبت في ظرف استثنائي طغت عليه الاعتبارات السياسية والتوازنات المكونية وضغط الزمن وهو ما انعكس على عدد من نصوصها التي جاءت قابلة لتفسيرات متعارضة وأصبحت مع مرور الوقت مصدراً لأزمات متكررة بدل أن تكون مرجعاً لحسمها
ولعل أبرز ما يكشف إدراك واضعي الدستور لحاجته إلى المراجعة أنهم ضمّنوا نصوصه مادة تقضي بتشكيل لجنة دستورية بعد أول دورة برلمانية لإعادة النظر في مواده وقد جاء ذلك استجابةً لتفاهمات سياسية رافقت عملية الاستفتاء إلا أن اللجنة التي شُكلت عام 2006 لم تتمكن من إنجاز تعديلات جوهرية وبقيت الملفات الخلافية معلقة حتى اليوم ومن أبرزها المادة المتعلقة بتكليف الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل الحكومة وهي المادة التي أثارت خلافات دستورية وسياسية في أكثر من دورة انتخابية بسبب غموض المقصود بالكتلة الأكبر وما إذا كانت الفائزة في الانتخابات أم التي تتشكل لاحقًا عبر التحالفات ماعاد طريق تعديل الدستور أكثر سهولة فالإجراءات الدستورية نفسها جعلت التعديل بالغ التعقيد إذ تشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب ثم موافقة الأغلبية في استفتاء شعبي فضلًا عن وجود ما يُعرف بحق الاعتراض الذي يتيح إسقاط التعديل إذا رفضته نسبة الثلثين من الناخبين في ثلاث محافظات ومع استمرار الانقسام السياسي تحولت هذه الشروط إلى عائق حقيقي أمام أي إصلاح دستوري الأمر الذي دفع بعض المختصين إلى القول إن تعديل الدستور أصبح أكثر صعوبة من إعادة كتابة وثيقة دستورية جديدة ومنذ سنوات تتكرر الدعوات إلى مراجعة الدستور انطلاقًا من قناعة مفادها أن النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 تأسس في ظل هواجس متبادلة بين القوى السياسية أكثر من تأسسه على رؤية واضحة لبناء الدولة لذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العراق بات بحاجة إلى “عقد اجتماعي جديد” يعيد تنظيم العلاقة بين السلطات ويرسم حدود الصلاحيات بصورة أكثر وضوحاً ويؤسس لنظام سياسي أكثر استقراراً وقدرة على إدارة التنوع
كما أن كثيراً من الدراسات القانونية والسياسية تشير إلى أن مرور أكثر من عقدين على دستور وُضع في ظروف استثنائية يبرر إعادة تقييمه في ضوء المتغيرات التي شهدها العراق والمنطقة فالنظام البرلماني الذي اعتمده الدستور رغم نجاحه في تجارب دول عديدة لم يحقق في العراق الاستقرار السياسي المنشود انما أدى في كثير من الأحيان إلى تعقيد عملية تشكيل الحكومات وإطالة أمد الأزمات وتعزيز نفوذ الكتل السياسية على حساب كفاءة مؤسسات الدولة ولهذا يطرح بعض الباحثين فكرة الانتقال إلى نظام مختلط يمنح السلطة التنفيذية قدرًا أكبر من الاستقرار مع الحفاظ على التوازن الدستوري بين السلطات
ولا تقف الإشكالات عند شكل النظام السياسي انما تمتد إلى ملفات لا تزال محل خلاف منذ سنوات من بينها توزيع الثروات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم وحدود الصلاحيات الإدارية والتشريعية وآليات إدارة الموارد الطبيعية فضلاً عن النزاعات المتكررة التي تُحال إلى المحكمة الاتحادية العليا بسبب غياب نصوص حاسمة أو اختلاف تفسيرها كما أن الجدل الذي رافق عددًا من القوانين المرتبطة بالدستور وفي مقدمتها قانون الأحوال الشخصية يعكس أن الإشكال لا يتعلق بالنصوص الدستورية وحدها وإنما يمتد إلى المنظومة التشريعية التي بُنيت عليها إن مراجعة الدستور لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تشكيكًا في شرعيته وإنما باعتبارها ممارسة دستورية طبيعية تلجأ إليها الدول كلما تغيرت ظروفها السياسية والاجتماعية فالدساتير الناجحة ليست تلك التي تبقى جامدة انما تلك التي تمتلك القدرة على التطور بما يحافظ على استقرار الدولة ويصون حقوق مواطنيها
وبعد أكثر من عشرين عاماً لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان الدستور يحتاج إلى مراجعة انما كيف يمكن إنجاز هذه المراجعة بطريقة تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية وتفتح الباب أمام عقد دستوري أكثر وضوحًا واستقراراً وعدالة فالدستور ليس وثيقة تُقاس بقِدمها وإنما بقدرتها على بناء دولة قوية وتنظيم السلطة وحماية حقوق المواطنين وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.