السيد رضا موسى الحكيم كاتباً ومؤرخاً وشاهداً على المواقف السياسية للمرجعية

د. محمد سعيد الطريحي*

تعود علاقتي بالصحفي المخضرم والخبير السياسي العراقي الأُستاذ السيد رضا السيد موسى الحكيم إلى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي حيث التقينا لأول مرّة أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. ثم تكررت لقاءاتنا وتعمَّقت معرفتنا بعد ذلك، والسيد رضا من الأُسرة النجفية المعروفة “آل الحكيم” إحدى الأُسر العلمية التي تعود بنسبها إلى الإمام الحسن السبط (ع)، ولرجالها الأوائل مشاركة ملموسة في إدارة العَتَبة العلوية وخدمة الزائرين لمرقد أمير المؤمنين(ع) والمجاورين له، ويُعدُّ الإمام السيد محسن الحكيم (المرجع الأعلى للشيعة الإمامية في عصره) باني مجدِ هذه الأسرة التي خلّفت ولا تزال الكثير من أعلام الفقه والفكر والأدب، وفي ظل هذه الدوحة الشريفة. وُلد السيد رضا موسى الحكيم في النجف الأشرف عام 1947م، وقد استهوته السياسة والمطالعات الفكرية المختلفة، ومنذ نعومة أظفاره، انخرط في المدّ القومي العروبي الذي كان مزدهراً في مدينته، وتفاعل مع حركاته اعتزازاً بالعروبة وقضاياها الكبرى وفي مقدمتها (القضية الفلسطينية)، وفي أواخر الستينيات من القرن العشرين زار القاهرة في يوم كانت قبلة المؤمنين بالخط التحرري الذي يستمد قوته من وجود الزعيــم جمــال عبــد الناصـر الذي أضفى بجلاله وشخصيته الآسرة عموم
العرب في ذلك الوقت، وآثر السيد رضا البقاء في مصر فانتسب إلى جامعة القاهرة منذ العام 1969م معتكفاً على دراسة العلوم السياسية، لكنه لم ينقطع عن ممارسة نشاطه السياسي في معارضة النظام العراقي آنذاك، كما زاول الكتابة الصحفية في جريدة الأخبار المصرية وغيرها وكان يكتبُ باسمه أحياناً وبأسماء مستعارة أحايين أخرى.
وفي القاهرة تعمَّقت صلاته بأغلب المعارضين العراقيين من الرعيل القومي وغيره الذين كانوا يعيشون بالقاهرة، لا سيما بعد قدوم صديقه الدكتور السيد محمد بحر العلوم إلى القاهرة وحطَّ ركابه في منزل صاحبنا السيد رضا منذ اليوم العاشر من آذار عام 1970، وبقي معه ما يزيد على السنة، التحق خلالها (السيد بحر العلوم) بقسم الدكتوراه في كلية العلوم ــ جامعة القاهرة.

حدَّثني السيد رضا أن من بين الشخصيات العراقية الذين توثَّقت صِلاته بهم خلال السنة المذكورة، اللواء عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء الأسبق، والعقيد صبحي عبد الحميد وزير الخارجية والداخلية الأسبق، والعقيد رجب عبد المجيد نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق، والأستاذ حسن الدجيلي وزير المواصلات الأسبق، والسيد عبد الله الركابي عضو القيادة القطرية لحزب البعث الأسبق، مع علاقته الوثيقة بالوزير الوطني الأسبق السيد أحمد الحبوبي.
أما من الشخصيات المصرية فقد ربطته علائق الود مع: الوزير حسن التهامي، والوزير أمين هويدي، واللواء حسام عبد الغني مساعد وزير الداخلية والدكتور جابر جاد عبد الرحمن رئيس جامعة القاهرة.
وحين انتقل الإمام السيد محسن الحكيم إلى جوار ربه في 1 حزيران 1970م، أقام السيد رضا بالمشاركة مع الشخصيات العراقية المقيمة في مصر مجلس الفاتحة على روح الإمام في مسجد عمر مُكرَّم بالقاهرة، وممن حضرها أمين هويدي وزير الدولة ومدير المخابرات المصرية ممثلاً عن الزعيم جمال عبد الناصر، وقد قام السيد رضا برفقة الأستاذ حسن الدجيلي والسيد محمد بحر العلوم بزيارة السيد أمين هويدي لتقديم الشكر له وللزعيم عبد الناصر على تعازيهما بوفاة المرجع الحكيم، ومما يتذكره السيد رضا عن ذلك الاجتماع: أن السيد هويدي أخرج وثيقة تتضمن محضر لقاء الرئيس عبد الرحمن محمد عارف مع الرئيس السوفييتي بودغورني Nikolai Viktorovich Podgorny (1903 ــ 1983م) أثناء زيارة الأخير إلى بغداد، وقرأ فقرات من ذلك المحضر، ثم أشاد بيوم العزاء المقام على روح الزعيم الحكيم قائلاً: إن مجلس العزاء على روح الإمام الحكيم لم تشهد مثله القاهرة لزعيم إسلامي من قبل!. وكان ممن حضر العزاء سفراء معظم الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى شخصيات سياسية وأكاديمية وعدد من مشايخ الأزهر، بالإضافة إلى الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، وقد اضطر أنور الحديثي سفير العراق في مصر آنذاك أن يقف إلى جانب الذين يتلقون العزاء وغالبيتهم من شخصيات المعارضة العراقية، وقد نشرت صحيفة “الأهرام” نبأ هذا العزاء كما نُشر في عددها الصادر في 8 حزيران 1970 خبر إرسال شيخ الأزهر ممثلاً عنه إلى السفارة العراقية لتقديم واجب العزاء بمناسبة رحيل الإمام الحكيم.
ويحتفظ السيد رضا بذكريات كثيرة بقيت عالقة في ذهنه، وكنت أحثـّه دائماً على كتابتها لتكون شاهدة على عصره وظروف إقامته ورحلاته الطويلة، ومما علق بذهني من ذكرياته تلك، إن الأستاذ سعد صالح جبر نجل رئيس الوزراء الأسبق صالح جبر طلب منه مرافقة صديق له سيصل إلى القاهرة وأعطاه اسم الضيف وتفاصيل رحلة وصوله إلى مطار القاهرة، وكان ذلك الضيف هو السفير السير مايكل رايت Sir Michael Wright السفير البريطاني الأسبق في بغداد (1955 ــ 1958م) ” والذي يحتفظ بأسرار خطيرة لثورة 14تموز 1958، والمعروف بفاعليته السياسية والاستخبارية غير المعروفة تماماً خلال نصف السنة التي سبقت اندلاع الثورة”.

وقد قام السيد رضا بصحبة هذا الضيف بعد أن حجز له غرفة في فندق هيلتون، وصحبه في جولات سياحية زار خلالها الأهرامات، والمتاحف، والمساجد الكبرى، وقد سأله في إحدى الجَلسات:
ــ لماذا أقدمت على إخبار عبد الكريم قاسم بالمحاولة الانقلابية لرشيد عالي الكيلاني؟. فأجابه بما يلي:
قال: “كان هناك خطران، أولهما: التيار القومي الذي يَسعى إلى الوحدة مع عبد الناصر، ثانيهما: التيار الشيوعي الذي يسعى لإقامة أفضل العلاقات مع موسكو، وكان خطر الوحدة مع عبد الناصر أشد من مخاطر الحزب الشيوعي، لهذا أخبرت قاسم. وقال: سأبعث لك بعد رجوعي إلى لندن بعض ما تحتاجه من الوثائق”. وبالفعل أرسل وثيقة الإمام الحكيم ووثيقة أخرى كان قد بعثها إلى وزير خارجيته قُبيل ترك عمله في بغداد في 6/11/1958.
وحين اندلعت حرب أكتوبر عام 1973م، تطوَّع السيد رضا الحكيم مع مَنْ تطوع من طلبة الجامعات المصرية للقتال ضد القوات الإسرائيلية، وبقي في الجبهة حتى وقف إطلاق النار، وكان ينطلق في موقفه هذا من إيمانه الديني والقومي خصوصاً بعد أن أفتى مرجع عصره وزعيم أسرته الإمام الحكيم بضرورة الدفاع عن فلسطين وتحريرها وحثّ على التبرع بالمال للفدائيين الفلسطيني، تلك الفتوى التي اشتهرت في الستينيات من القرن الماضي، وكانت الحافز على مشاركة المئات من أبناء الرافدين خصوصاً في المنظمات الفدائية الفلسطينية.
قضى السيد رضا الحكيم زهرة شبابه في القاهرة التي أحبَّها كمسقط رأسه (النجف)، وعند اندلاع الحرب العراقية ــ الإيرانية، غادر القاهرة إلى دمشق أوائل سِني الحرب، واشتغل كاتباً في قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية في جريدة البعث، وعاش متردداً بينها وبين بيروت وطهران حيثما اقتضى عمله الصحفي، الذي بذل وقتاً طويلاً منه في الكتابة والمراسلة ومن بين أهم المؤسسات التي عمل فيها في طهران مؤسسة كيهان الإيرانية، وكان أثناء تواجده في العواصم المذكورة وجهاً من وجوه المعارضة ضد النظام العراقي آنذاك، وبعد سقوطه عام 2003، قال لي: أن صحيفة (نيويورك تايمز) طلبت منه الكتابة فيها لكنه آثر الانصراف إلى عمله الحر، وكان مما أنجزه عدد من الكتب ومنها:
1 ــ​قرنفلة الصباح (مجموعة من المقالات الذي كان ينشرها في كيهان العربي تحت اسم مستعار هو (ضياء موسى)، وقد تفضل بكتابة أكثر من نص عني وعن مجلة الموسم وعن (مجمع البحرين) وقد اختار الدكتور محمد مهدي إمامي نصوص من هذا وطبعها في كتاب تقرر تدريسه في قسم اللغة العربية في الجامعة الحرة بطهران.
2 ــ​شعاع من رؤية آية الله الخامنئي للعلاقات الدولية، طبع عام 1993م.
3 ــ​الإمام الخامنئي: نجم على جبين الفجر، طبع عام 1998م.
4 ــ​خيوط الليل: دراسة في التنسيق بين الولايات المتحدة الأمريكية والحركات الإسلامية في العراق.
5 ــ​خيوط الفجر: دراسة في المواقف السياسية للمرجعية الدينية. قمتُ بنشره ضمن كتب أكاديمية الكوفة، هولندا، 2016م. بعنوان: (الامام السيد محسن الحكيم في مواقفه السياسية).
وللسيد رضا الحكيم ولع كبير في اقتناء التحف الفنية والمخطوطات النادرة والمسكوكات القديمة ويحتفظ في مكتبه بمجموعة نفيسة من كل
ما تقدم، وقد أهدى مجاميع منها إلى العتبة العلوية في النجف الأشرف ومسجد الكوفة المعظم.
ومن أقدم المسكوكات التي يحتفظ بها مسكوكة مؤرخة سنة 656ق.م وتعود للمملكة الليدية (الذين سكنوا ليديا وهو إقليم يقع في غرب الأناضول) والتي انقرضت على يد كورش في عام 546 ق.م.
وبالعودة الى ذكر كتابه عن الامام الحكيم نقول بصدق (وذكرنا هذا الكلام في مقدمتنا المنشورة في الكتاب أيضاً) أنه كتبَ فصوله بكل أمانة وتحقيق علمي معتمداً على الوثائق الخاصة التي تحتفظ بها اسرة الامام، فجاء كتابه إضافة جديدة لما كُتب عن الامام ومواقفه السياسية وكان بعمله هذا شاهداً على عصره ومؤرخاً لحقبةٍ هامة من تاريخ المرجعية الدينية تبدأ من عصر المجدد الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي (شيراز 1230هـ ــ 1814م/ سامراء 1312هـ ــ 1894م) المرجع الأعظم للشيعة الذي استعان به المصلح الكبير جمال الدين الأفغاني في قضاياه الإصلاحية، واشتهر كثيراً بفتواه التي حرَّم فيها التبغ في إيران، بدافع حرمان الإنكليز من الامتياز الذي حصلوا عليه من السلطان ناصر الدين عام 1890م، لأجل الهيمنة الاستعمارية على إيران، وقد مرَّ الباحث الكريم على ذكر هذه الحادثة الهامة وحلل الكثير من القضايا السياسية التي واكبت عصر المجدد الشيرازي ومن بعده من الفقهاء وصولاً إلى بحثه الأساسي المتمثِّل بدراسة المواقف السياسية لمرجع عصره الإمام السيد محسن الحكيم (النجف 1306هـ ــ 1889م/ النجف 1390هـ ــ 1970م)، والذي يُعدُّ أحد أهم مراجع الشيعة الإمامية في القرن العشرين الميلادي، وهو من ساهم في ترسيخ دعائم المرجعية الشيعية المعاصرة في النجف الأشرف، وكانت له مساهمات في الأحداث السياسية التي عاصرها، ومن ذلك إصدار فتواه عن الشيوعية والصادرة في شباط 1960. وممن شهد الثورة المصرية عام 1952م وأفتى بدعم نضالها أثناء العدوان الثلاثي على بورسعيد، وشهد ثورة العراق 1958م فأيَّدها أول الأمر ثم انقلب ضدها، وتميزت علاقته بالأكراد بالدعم والمناصرة ووقف مع ثورتهم ضد الاستبداد، وكانت تربطه علاقات وثيقة جداً بالزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني وهو مَنْ أفتى بتحريم قتال الأكراد في الوقت الذي خاضت الحكومة العراقية في العهد العارفي حروباً كثيرة ضدهم. وكانت داره بالكوفة محطَّاً لرجالات العلم والسياسة في العراق والعالم الإسلامي. ومن أشد ما كان يتمسك به وحدة العراق والعالم الإسلامي وقضية فلسطين والدعوة إلى التآلف والأخوة الإنسانية.
وقد تطرق الأستاذ الباحث إلى في كتابه المذكور لأهم محطات الحياة السياسية التي واكبتها المرجعية في تلك الفترة الصعبة من تاريخها المعاصر، والتي كانت لها انعكاساتها على الوضع المرجعي وتصرفه الحالي أمام التحديات السياسية التي واجهته ولا زالت تواجهه في الوقت الحاضر، وقد وُفّق إلى حدّ كبير في تحليل الأحداث التي تعرَّض لها، أما مآلات تلك الأحداث ونتائجها فقد خصص لها الباحث دراسة ستتبعها فيما بعد والتي يتناول بها التنسيق بين الغرب الأمريكي والأوروبي مع الحركات الإسلامية الشيعية.

*رئيس أكاديمية الكوفة

قد يعجبك ايضا