عطا شميراني
هذا الصباح، استيقظت كعادتي. أعددت فنجانًا من القهوة، وأمسكت هاتفي أتصفح عناوين الأخبار. كانت الأخبار تمر أمام عيني تباعًا، حتى توقفت فجأة عند اسمك.
بقيت أحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم أعدت قراءة الخبر مرة أخرى، كأنني أرفض أن أصدقه.
وضعت الهاتف جانبًا، ونظرت إلى السماء من نافذتي، وقلت بصوت خافت:
“يا لها من خسارة موجعة… لقد رحل أحد أصدق الأصوات التي دافعت عن الشعب الكردي وقضيته العادلة.”
لم تكن كرديًا…
لكن، في قلوب ملايين الكرد، كنت واحدًا منا.
ليس لأنك تحدثت لغتنا، ولا لأن جذورك امتدت إلى جبال كردستان، بل لأن هوية الإنسان لا يحددها مولده وحده، وإنما تحددها المبادئ التي يختارها عندما يسأله التاريخ سؤالًا واحدًا:
في أي صف كنت؟
هناك من يولد كرديًا، ثم يتخلى عن شعبه عند أول اختبار. وهناك من لا تربطه بالكرد رابطة دم، ولا لغة، ولا أرض، لكنه يحمل قضيتهم في ضميره، ويدافع عنها كما لو كانت قضيته الشخصية.
وأنت كنت واحدًا من هؤلاء.
قبل أكثر من عشرين عامًا، سمعت اسمك للمرة الأولى، وعرفت مواقفك الداعمة للشعب الكردي. ومنذ ذلك اليوم، لم أتابعك لأنك سياسي أمريكي نافذ، بل لأنني رأيت في كلماتك شيئًا أصبح نادرًا في عالم السياسة؛ رأيت إنسانًا لا يخجل من الدفاع عن قضية يؤمن بعدالتها، حتى وإن لم تكن قضيته الوطنية المباشرة.
وخلال كل تلك السنوات، لم أر منك إلا مواقف تنطلق من احترام حق شعبنا في أن يعيش بحرية وكرامة وسلام. لم تكن بين جبال كردستان، لكن اسمك كان حاضرًا في بيوت كثيرة، يتردد كلما وقف مسؤول أمريكي مدافعًا عن الكرد، وكلما شعر الناس أن هناك من يسمع صوتهم وسط ضجيج المصالح الدولية.
في قلب واشنطن، حيث تُقاس السياسة غالبًا بميزان القوة وصفقات النفوذ، اخترت أن تدافع عن شعب لا يمنحك أصواتًا انتخابية، ولا يزيد من رصيدك المالي، ولا يفتح أمامك أبواب السلطة.
كان بإمكانك أن تلتزم الصمت كما فعل كثيرون، لكنك لم تفعل.
ولهذا أحبك الكرد.
لقد عرف شعبنا، على امتداد أكثر من قرن، معنى الخذلان. عرف الاتفاقيات التي وُقعت ثم مزقتها المصالح، والوعود التي أُطلقت ثم تبخرت، والتحالفات التي انتهت بمجرد تغير موازين القوى. ولذلك أصبح الكرد حذرين في منح ثقتهم، لأن التجارب علمتهم أن الكلمات وحدها لا تكفي.
لكنهم، في المقابل، لا ينسون من يقف معهم في اللحظات الصعبة.
ولا ينسون من يذكر أسماءهم عندما يحاول الآخرون تجاهلهم.
ولا ينسون من يتحدث عن حقوقهم حين يصبح الصمت أكثر راحة من الكلام.
لقد كنت أحد تلك الأصوات النادرة.
كنت ترى أن الكرد ليسوا مجرد ورقة تفاوض، ولا ملفًا أمنيًا، ولا رقمًا في تقارير السياسة الخارجية، بل شعبًا يمتلك تاريخًا وهويةً وحلمًا، ويستحق أن يعيش بكرامة مثل بقية شعوب الأرض.
ربما اختلف معك كثيرون في ملفات دولية أخرى، وربما سيختلف المؤرخون طويلًا في تقييم مسيرتك السياسية، فهذا شأن كل شخصية عامة تركت أثرًا في الحياة السياسية. لكن هناك حقيقة يصعب إنكارها بالنسبة لنا نحن الكرد: كنت من أكثر الأصوات الأمريكية وضوحًا وثباتًا في الدفاع عن شعبنا.
وهذه الحقيقة ستبقى.
إن رحيلك لا يدفعني فقط إلى الحزن، بل إلى التفكير في معنى الوفاء. فالعلاقات بين الشعوب لا تبنى دائمًا على الجغرافيا، ولا على العرق، ولا حتى على المصالح المشتركة، وإنما قد تبنى أحيانًا على موقف إنساني واحد، صادق، يترك أثرًا لا تمحوه السنوات.
لقد علمتنا الحياة أن الضمير لا يحمل جنسية، وأن العدالة لا تحتاج إلى جواز سفر، وأن الإنسان قد يولد بعيدًا آلاف الكيلومترات عن شعب ما، لكنه يصبح قريبًا منه لأنه اختار الوقوف إلى جانبه عندما كان الآخرون يديرون ظهورهم له.
ولهذا أقول اليوم، بكل قناعة:
لم تكن كرديًا بالولادة…
لكنك كنت كرديًا في ضميرك.
الكردية ليست دمًا فقط، وليست لغةً فقط، وليست حدودًا على الخريطة، بل هي أيضًا موقف أخلاقي من الحرية والكرامة والعدالة.
ولذلك أحبك كثير من الكرد، لأنهم شعروا أنك كنت تنظر إليهم بوصفهم بشرًا يستحقون الحياة، لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار أو أوراقًا على طاولات المفاوضات.
قد يرحل الإنسان، لكن مواقفه تبقى أطول عمرًا منه.
وقد يغيب صوته، لكن صداه يستمر في ذاكرة الشعوب.
أما الذين وقفوا إلى جانب المظلومين، فإن أسماءهم لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها القلوب أيضًا.
واليوم، بينما يودعك العالم، يودعك الكرد أيضًا بكثير من الامتنان، لأنك منحتهم شيئًا لا يُشترى ولا يُباع: الإحساس بأن هناك من كان يسمعهم، ويفهم قضيتهم، ويؤمن بحقهم في مستقبل أفضل.
نم بسلام…
فالمناصب تزول، والسلطة تتغير، والسياسيون يرحلون، أما المبادئ الصادقة فلا تموت، لأنها تتحول مع الزمن إلى ذاكرة، ثم إلى تاريخ، ثم إلى درس للأجيال القادمة.
وإذا أنصف التاريخ الرجال، فسيكتب عنك أنك لم تكن مجرد سيناتور أمريكي، بل كنت، بالنسبة إلى ملايين الكرد، صوتًا حمل قضيتهم إلى المنابر الدولية، ودافع عنها عندما كان الدفاع عنها يتطلب شجاعة في الموقف ووضوحًا في الكلمة.
لقد عشت بعيدًا عن جبال كردستان، لكن اسمك سيبقى حاضرًا في ذاكرة كثير من أبنائها، لأن الشعوب التي عانت طويلًا لا تنسى من وقف معها بإخلاص، ولا تنسى من اختار العدالة على حساب الصمت، والمبدأ على حساب المصلحة.
رحل الرجل… وبقي الموقف.
والمواقف النبيلة لا تموت، لأنها تعيش في ضمير الشعوب، وتبقى شاهدًا على أن الإنسانية، في نهاية المطاف، هي أعظم هوية يمكن أن يحملها الإنسان.