حين يُقاس القادة بقدرتهم على منع الانهيار

عطا شميراني

سبع سنوات في مواجهة العواصف
ليس من العدل أن يُقاس القادة بما تحقق في سنوات الرخاء، لأن الرخاء يمنح الجميع فرصة النجاح. أما الامتحان الحقيقي للقيادة، فيبدأ عندما تضيق الخيارات، وتتراكم الأزمات، ويصبح الحفاظ على الاستقرار إنجازًا بحد ذاته. فالسياسة ليست فن صناعة المعجزات، بل فن تقليل الخسائر عندما تبدو العواصف أكبر من قدرة السفينة على الاحتمال.

بهذا المعنى، يمكن قراءة السنوات السبع التي قاد فيها مسرور بارزاني حكومة إقليم كوردستان؛ سبع سنوات لم تعرف الاستقرار، بل تعاقبت فيها الأزمات حتى بدا وكأن الإقليم يخوض اختبارًا مفتوحًا مع التاريخ.

فلم تمضِ فترة طويلة على تشكيل الحكومة حتى اجتاحت جائحة كورونا العالم، فأغلقت الحدود، وتوقفت الأسواق، وانكمش الاقتصاد العالمي، ووجدت الحكومات نفسها أمام معركة لم تكن عسكرية، بل صحية واقتصادية وإنسانية في آن واحد. وكان إقليم كوردستان جزءًا من هذا المشهد العالمي، لكنه واجه الجائحة وهو يحمل أصلًا أعباءً مالية وسياسية ثقيلة.

ثم جاءت أزمة الرواتب، التي لم تكن مجرد خلاف مالي بين أربيل وبغداد، بل تحولت إلى قضية تمس حياة مئات الآلاف من الأسر. وبين شدّ السياسة وجذبها، وجد المواطن نفسه ينتظر راتبه، بينما كانت الحكومة تحاول إدارة أزمة تتداخل فيها النصوص الدستورية مع الحسابات السياسية.

وفي الداخل، لم يكن المشهد أقل تعقيدًا. فالخلافات الحزبية، والتجاذبات السياسية، واختلاف الرؤى حول إدارة المرحلة، جعلت مهمة أي حكومة أكثر صعوبة. فالقيادة لا تواجه الخصوم وحدهم، بل تواجه أحيانًا الانقسامات داخل البيت نفسه.

ومع ذلك، لم تتوقف الحياة. استمرت المؤسسات في أداء وظائفها، وبقيت المستشفيات تعمل في أصعب ظروف الجائحة، وواصلت قوات البيشمركة حماية أمن الإقليم، فيما استمرت مشاريع البنية التحتية والطرق والخدمات، وكأن الرسالة كانت واضحة: لا يجوز أن تتوقف عجلة المستقبل لأن الحاضر يعيش أزمة.

ولعل أبرز ما ميّز هذه المرحلة هو أن حكومة الإقليم لم تكتفِ بإدارة الأزمات اليومية، بل حاولت التفكير بما بعدها، عبر تنويع مصادر الدخل، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتشجيع الاستثمار، وإعادة بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.

أما أمنيًا، فقد بقي إقليم كوردستان واحة استقرار نسبي في منطقة تعيش على إيقاع الحروب والانقسامات. وهذا الاستقرار لم يكن مجرد عنوان سياسي، بل عنصرًا أساسيًا في حماية الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، والحفاظ على ثقة المجتمع.

ولا يعني ذلك أن التجربة كانت خالية من الأخطاء، أو أن الحكومة حققت كل ما كان يطمح إليه المواطنون. فالنقد حق، والمطالبة بالإصلاح حق، ومكافحة الفساد ضرورة لا يمكن تأجيلها. غير أن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ التجارب في سياق ظروفها، لا بمعزل عنها. فهناك فرق بين حكومة تعمل في ظروف طبيعية، وأخرى تواجه في وقت واحد أزمة صحية عالمية، وأزمة اقتصادية، وخلافًا ماليًا مع الحكومة الاتحادية، وانقسامات سياسية داخلية، وتهديدات أمنية مستمرة.

إن التاريخ لا يسأل القادة دائمًا: ماذا أنجزتم؟ بل يسألهم أحيانًا: ماذا منعتم أن ينهار؟ وهذه هي الزاوية التي تستحق التأمل عند قراءة السنوات السبع الماضية.

فقد يكون أعظم الإنجاز في بعض المراحل ليس تحقيق قفزات استثنائية، وإنما منع السقوط، والحفاظ على المؤسسات، وصيانة الاستقرار، وإبقاء الأمل حيًا في نفوس الناس.

ولهذا، فإن تجربة مسرور بارزاني لا يمكن اختزالها في أرقام الموازنات أو حجم المشاريع فقط، بل يجب أن تُقرأ بوصفها تجربة قيادة في زمن الأزمات؛ زمن كانت فيه كل أزمة كافية لإسقاط حكومات، بينما اجتمعت الأزمات كلها في إقليم واحد.

قد يختلف الناس في تقييم السياسات، وهذا حق مشروع، لكنهم سيتفقون، بعد سنوات، على أن تلك المرحلة كانت من أصعب المراحل التي مر بها إقليم كوردستان منذ تأسيسه، وأن القيادة فيها لم تكن ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية ثقيلة في مواجهة عواصف متلاحقة.

ففي النهاية، لا يُخلّد التاريخ من حكم في الأيام الهادئة، بل من استطاع أن يعبر بالسفينة وسط الأمواج العاتية، دون أن يسمح لها بالغرق.

قد يعجبك ايضا