الدكتور سجاد قيطاسي – ملكشاهي
معهد زانست زاكروس
تُعد أعمال بختيار علي، الروائي والمفكر الكوردي، مشاريع سياسية وثقافية تهدف إلى حفظ الذاكرة الجمعية لشعبٍ ما وإعادة بنائها. وتقف رواياته عند نقطة التقاطع الحساسة بين الذاكرة والنسيان، لتتحول إلى ملاذٍ للروايات التي تعرضت للقمع والإقصاء. ومن أجل فهم عمق هذا التوجه، يمكن الاستفادة من المفهوم المحوري )ذاكرة المقاومة (Memory of Resistance ، وهو جهدٌ واعٍ ونشط للحفاظ على الذكريات وسردها من جديد، ولا سيما تلك التي تتعارض بصورة مباشرة مع الروايات الرسمية التي تفرضها الدولة، والتي غالباً ما تتشكل في المجتمعات التي تعرضت لصدمات جماعية مثل الحروب، أو الإبادة الجماعية، أو القمع السياسي.
لقد سعت الأنظمة الاستبدادية دائماً إلى فرض (النسيان المنظم (Organized Forgetting من خلال إعادة كتابة الماضي بما يخدم مصالحها، ومحو الجرائم وأشكال الظلم من الذاكرة التاريخية. وفي هذا السياق، يظهر أدب بختيار علي بوصفه فعلاً من أفعال المقاومة. فعالمه الروائي مليء بشخصيات تبحث عن الأجزاء الضائعة من ماضيها، وهذه الرحلة الرمزية تمثل في حقيقتها عملية إعادة بناء «الذاكرة التواصلية» (Communicative Memory)، وهي الذكريات التي تنتقل عبر التفاعلات اليومية والحكايات الشفوية بين الأجيال، وتقاوم الذاكرة الرسمية المفروضة (Assmann 2008).
ولفهم هذه الآلية بصورة أدق، تُعد نظريات أليدا آسمان ذات أهمية كبيرة. فهي تميز بين وظيفتين أساسيتين للذاكرة: (ذاكرة الأرشيف (Storage Memory و(الذاكرة الوظيفية» (Functional Memory) (Assmann 2011). ) وقد طرح يان آسمان هذا التمييز أولاً، ثم قامت أليدا آسمان بتطويره ضمن إطار الذاكرة الثقافية (Assmann, J. 1995; Assmann, A. 2011).
تعمل ذاكرة الأرشيف كخزان أو أرشيف يحفظ الماضي دون إصدار أحكام أو استخدامه بصورة فاعلة، بل يكتفي بتخزينه. وفي روايات بختيار علي، تمثل ذكريات الشخصيات المتناثرة، والرسائل القديمة، والصور الباهتة، والأماكن المدمرة، وغيرها، أجزاءً من هذا الأرشيف الهائل للماضي. أما الذاكرة الوظيفية، فإنها تستحضر الماضي لخدمة الحاضر؛ إذ تعيد قراءته وتفسيره وبناءه ليكتسب معنى سياسياً أو اجتماعياً أو هوياتياً في الزمن الراهن. وهذا هو بالضبط المسار الذي تبعثه روايات بختيار علي إلى الحياة، إذ تتيح للمجتمع أن يعيد التفكير في مستقبله من خلال فعل التذكر.
وبالاستناد إلى النظرية الشهيرة لبيير نورا، توجد أماكن وأشياء ومفاهيم تتحول إلى رموز لاستحضار الماضي، وقد أطلق عليها اسم (أماكن الذاكرة)Lieu de MémoireNora 1989). ) ومن هذا المنطلق، وفي ظل غياب الأماكن المادية التي تعرضت للتدمير أو التشويه، تصبح أعمال بختيار علي نفسها بمثابة «أماكن للذاكرة». ففي روايات مثل «آخر رمانة في الدنيا»، و«غروب الفراشة»، و«عمي جمشيد خان الذي كانت الريح تحمله دائماً معها»، و«درياس والجثث»، يتصل القارئ بماضٍ منسي، لا بوصفه مجموعة من الحقائق التاريخية الجامدة، وإنما باعتباره تجربة إنسانية معاشة ومشحونة بالعاطفة.

وغالباً ما يُقارن أسلوب بختيار علي السردي بالواقعية السحرية، إلا أن منهجه متجذر بعمق في الظروف السياسية والاجتماعية لكوردستان. فهو يمزج بين الواقع والخيال، وبين التاريخ والأسطورة، ليهدم الحدود الفاصلة بين ما هو «واقعي» وما هو «مروي». وتمثل هذه التقنية ما بعد الحداثية أداةً قوية لتحدي الروايات الرسمية والشمولية؛ فعندما يفقد التاريخ الرسمي مصداقيته، يصبح الأدب قادراً، عبر الخيال والاستعارة، على التعبير عن حقيقة أكثر عمقاً.
ومن منظور النظرية النقدية، يمكن النظر إلى هذا النهج بوصفه شكلاً من تفكيك (Deconstruction) التاريخ الرسمي (Derrida 1997). فبختيار علي، من خلال إظهار هشاشة الروايات التاريخية وطابعها المصطنع (Ankersmit 2012)، يفتح المجال أمام بروز الأصوات التي همشت وأقصيت (Hall 1997; Spivak 1988). إن الشخصيات الغريبة والأحداث الخارقة للطبيعة في أعماله ليست مجرد زخارف أدبية، بل تخدم هدفاً أساسياً يتمثل في إظهار أن التاريخ ليس رواية واحدة مستقيمة، بل هو ساحة لصراع الذاكرات. ومن وجهة نظر ستيوارت هول، تمثل هذه اللحظات فرصة لاستعادة حق السرد من قبضة السلطة المهيمنة (Hall 1997).
في الختام، يُظهر الترابط بين ذاكرة المقاومة والذاكرة الثقافية في أعمال بختيار علي أن أدبه يعمل في ثلاثة مجالات متزامنة: المجال الثقافي من خلال إعادة قراءة الماضي وإحياء السرديات الهامشية؛ والمجال السياسي عبر تفكيك الرواية الرسمية والتعبير عن المقاومة الرمزية؛ والمجال الاجتماعي من خلال إيجاد أرضية لترميم الجراح الجماعية وإعادة بناء الروابط التاريخية التي انقطعت.
إن روايات بختيار علي ليست مجرد أعمال سردية، بل هي في حقيقتها أفعال سياسية وثقافية تهدف إلى «التذكّر» في مواجهة «النسيان» المفروض.
ومن خلال تحويل الأدب إلى «ذاكرة وظيفية»، يوجّه للقارئ رسالة مفادها أن التذكّر واجب أخلاقي وضرورة سياسية. ففي عالم تسعى فيه السلطات باستمرار إلى محو الذاكرات، يصبح أدب بختيار علي صرخةً للمقاومة؛ صرخةً تقول: (نحن نتذكّر، إذن نحن موجودون.).
المراجع:
Ankersmit, F. R. (2012). Meaning, Truth, and Reference in Historical Representation. Cornell University Press.
Assmann, A. (2011). Cultural Memory and Western Civilization: Functions, Media, Archives. Cambridge University Press.
Assmann, J. (2008). Communicative and Cultural Memory. In A. Erll & A. Nünning (Eds.), Cultural Memory Studies: An International and Interdisciplinary Handbook (pp. 109–118). Walter de Gruyter.
Assmann, J. (1995). Collective Memory and Cultural Identity. New German Critique, 65, 125–133.
Derrida, J. (1997). Of Grammatology (Corrected Edition, translated by Gayatri Chakravorty Spivak). Johns Hopkins University Press.
Hall, S. (Ed.). (1997). Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. SAGE Publications.
Jelin, E. (2003). State Repression and the Labors of Memory. University of Minnesota Press.
Nora, P. (1989). Between Memory and History: Les Lieux de Mémoire. Representations, 26, 7–24.
Spivak, G. C. (1988). Can the Subaltern Speak? In C. Nelson & L. Grossberg (Eds.), Marxism and the Interpretation of Culture. Urbana/Chicago: University of Illinois Press.