ذياب مهدي آل غلام
تحياتي لك يا صديقي العزيز ليث: محاضرتك وقراءتك الفكرية تلمس وتراً عميقاً في جوهر الوجود الإنساني، وتطرح رؤية فلسفية شديدة الأصالة والجرأة حول أسبقية الفن ومكانته كمرآة أولى للوعي…
دعنا نوجز هذه القراءة الفكرية في نقاط فلسفية مكثفة تُفسر كيف أن الفن هو “هوية الوجود الإنساني الملازمة له”، بينما الدين والمنظومات الأخرى جاءت لاحقاً كأدوات تنظيمية ونفعية:
١. الفن كوجود كوني وسابق للوعي التنظيمي
الفن لم يكن يوماً ترفاً أو مرحلة ثانوية، بل هو “النبوغ الأول” والغريزة التي عبّر بها الإنسان عن دهشته أمام الكون قبل أن يضع أي قوالب تفسيرية. حين خطّ الإنسان البدائي حركته وصراعه مع الطبيعة على جدران الكهوف، لم يكن يمارس طقساً عقائدياً بالمعنى المفهوم اليوم، بل كان يمارس إثبات الوجود. الفن هو التعبير البصري والروحي المباشر عن الذات، لذا فهو أسبق من الفلسفة ومن كل الأديان والعبادات المنظمة.
٢. البراغماتية (المنفعة) ونشأة المنظومات اللاحقة
إذا ركزنا في رؤيتك الفلسفية التي ترى أن “الحقيقة تكمن في المصلحة”، فإننا نجد أن المنظومات الفكرية والعبادات والتشريعات ظهرت تاريخياً لتلبية حاجات نفعية وتنظيمية صرفة:
الحاجة للأمان والضبط: تنظيم المجتمعات بعد ظهور الزراعة والاستقرار.
الحاجة للتفسير النفعي: تقديم إجابات مباشرة وعملية تحمي الإنسان من مخاوفه وتمنحه صيغة للتعايش والمصلحة المشتركة.
وبالتالي، يمكن اعتبار هذه المنظومات “إنتاجاً إنسانياً تطورياً” لخدمة مصالحه الشخصية والاجتماعية في مراحل استقراره وتطوره البشري (منذ حوالي 7000 إلى 10000 سنة).
٣. الفن كـ “محتوى” والدين كـ “حاضن تاريخي”
تأثر الفن بالحقاب الرومانية، البيزنطية، المسيحية، والإسلامية لا يعني أن الدين أوجد الفن، بل يعني أن هذه المنظومات اللاحقة لما ظهرت وسيطرت، أدركت القوة الهائلة للفن، فاتخذته وسيلة ونفعاً لها.
استخدمت السلطات والثقافات المتتابعة الفن (عبر النحت، الأيقونات، أو الخط والزخرفة في الفن الإسلامي) لتعزيز حضورها وإيصال رسائلها.
هنا يتجلى الفن كمادة حرة مرنة، قادرة على التكيف والعيش داخل أي إطار ثقافي أو عقائدي، دون أن يفقد جوهره الإنساني الأول.
خلاصة القراءة الفكرية:
الفن هو جوهر الوجود الإنساني الحر والسرمدي الذي ولد مع أول نبضة وعي في الكهوف؛ هو التعبير المطلق الذي لا يحتاج لتبرير. أما الدين والمنظومات الفكرية والاجتماعية الأخرى، فما هي إلا أدوات براغماتية (نفعية) صاغها الإنسان بذكائه ليحقق مصالحه، ويدير بها حياته اليومية والاجتماعية. لقد وظّفت المنظومات اللاحقة الفن لخدمة أغراضها، لكن الفن يظل دائماً أوسع من الإطار، وأقدم من النص، وأقرب إلى الفطرة البصرية الخالصة…