معركة الوعي المفقودة

مصطفى طارق الدليمي

قبل أكثر من ألفي عام وقف سقراط أمام قضاة أثينا ولم يكن يحمل سيفاً ولا يقود جيشاً انما حمل سؤالاً أقلق العقول اتُّهم بإفساد الشباب وحُكم عليه بأن يشرب كأس السم فانتهت حياته لكن الحكاية لم تنتهِ فقد بقي اسم سقراط حيّاً في ذاكرة الإنسانية بينما تلاشت أسماء الذين صفقوا للحكم كان ذلك واحداً من أقدم الدروس التي قدّمها التاريخ
فأن الضجيج قد ينتصر في لحظته أما الفكرة فتكسب الزمن واليوم وبعد أكثر من ألفي عام تغيّرت الساحات وتبدلت الأدوات لكن الإنسان بقي على طبيعته فما يثير الغضب أو الفضول أو الصدمة يجد طريقه إلى الناس أسرع من الكلمة الهادئة وكأن العقول أصبحت تستجيب للضوضاء أكثر مما تستجيب للحكمة ماعادت الأسواق وحدها تعرف قانون العرض والطلب انما أصبحت الأفكار أيضاً تخضع لقانون المشاهدات يكفي أن تفتح إحدى منصات التواصل حتى ترى المشهد بوضوح مقطع مشاجرة أو فضيحة أو إساءة يحصد مئات الآلاف من المشاهدات في ساعات قليلة بينما يمر خبر عن باحث عراقي أو طبيب أنقذ حياة مريض أو شاب ابتكر مشروعاً يخدم مجتمعه مرور العابر الذي لا يترك وراءه إلا عدداً محدوداً من الإعجابات كأن الخير أصبح خبراً عادياً والضجيج هو الخبر الذي يستحق الاحتفاء هذه ليست مصادفة ولا مجرد تبدل في أذواق الجمهور فالمنصات الرقمية بُنيت على اقتصاد الانتباه والانتباه لا تمنحه الخوارزميات لما هو أكثر نفعاً انما لما هو أكثر إثارة وكلما ارتفع منسوب الجدل ارتفعت معه فرص الانتشار حتى أصبح صانع المحتوى يقيس نجاحه بعدد المشاهدات قبل أن يقيسه بقيمة ما يقدم
هكذا تبدو الصورة في العراق أكثر وضوحاً فالبرامج الذي يقوم على الصراخ والمشاحنات تتقدم على البرامج الثقافية والمحتوى الذي يثير الجدل يسبق المحتوى الذي يصنع الوعي وليس لأن العراقي يكره المعرفة فهذه الأرض أنجبت مدارس العلم واحتضنت المكتبات وإنما لأن البيئة الرقمية دفعت الاهتمام العام نحو ما يلفت النظر سريعاً لا نحو ما يبقى أثره طويلاً والمؤلم أن هذه المعادلة لا تصنع محتوىً هابطاً فحسب انما تصنع ذائقة جديدة فحين يرى الشاب أن طريق الشهرة يمر عبر الإثارة لا عبر الاجتهاد فإنه سيعيد تعريف النجاح وفق ما تفرضه الشاشة لا وفق ما يحتاجه المجتمع وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية لأننا لا نفقد محتوىً جيداً فقط بل نفقد جيلاً قد يقتنع بأن الضجيج أقصر الطرق إلى الحضور
لقد مات سقراط منذ قرون لكن فكرته بقيت أقوى من حكم المحكمة وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن نتذكرها كلما أغرتنا أرقام المشاهدات فليس كل ما ينتشر يستحق البقاء وليس كل ما يبقى كان يوماً الأكثر انتشاراً فالتاريخ في نهاية المطاف لا يكتب أسماء أصحاب الضجيج انما يحتفظ بأسماء الذين تركوا فكرةً تنفع الناس بعد أن يخفت كل صخب.

قد يعجبك ايضا