هل تزوّج أبناء آدم من أخواتهم؟ قراءة قرآنية تُعيد النظر في روايةٍ شائعة ..

نوري جاسم ..

من أكثر الروايات انتشارًا في الثقافة الإسلامية القول إن أبناء آدم عليه السلام تزوجوا أخواتهم، حتى أصبحت عند كثير من الناس حقيقةً لا تقبل النقاش. غير أن الباحث المنصف، إذا رجع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، لا يجد نصًا واحدًا يقرر هذه الواقعة صراحة، مما يفتح الباب لإعادة قراءتها في ضوء النصوص الثابتة، بعيدًا عن الروايات التي لم يقم عليها دليل قطعي. ولقد أخبرنا الله تعالى عن بداية الخلق فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (سورة النساء: 1). والآية تثبت أصل البشرية، لكنها لم تذكر كيفية زواج الجيل الأول، ولم تنص على أن أبناء آدم اقترنوا بأخواتهم. كما يقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (سورة النحل: 72). وهذه الآية تقرر سنةً إلهية في أن الله يجعل للإنسان زوجًا من جنسه. وكما خلق الله حواء لآدم ابتداءً، فلا يمتنع عقلًا أن يكون قد خلق أزواجًا للجيل الأول من أبنائه إذا اقتضت حكمة بداية الخلق ذلك، وإن كان القرآن لم ينص على كيفية وقوع هذا الأمر. وفي المقابل، جاء القرآن بتشريع واضح في تحريم المحارم، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ…﴾ (سورة النساء: 23). والأصل أن هذا التحريم ثابت، ولا يثبت استثناء منه إلا بدليل صحيح وصريح. ولا يوجد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية الصحيحة، نص يقرر أن أبناء آدم استُثنوا من هذا الحكم. واللافت أن جميع الأخبار التي تتحدث عن زواج أبناء آدم من أخواتهم لا تستند إلى آية محكمة ولا إلى حديث صحيح، وإنما ورد أكثرها في كتب التفسير والتاريخ، وكثير منها من الروايات التي نُقلت عن أهل الكتاب أو من الأخبار الضعيفة التي لا تصلح لإثبات قضية غيبية. ولذلك لا يجوز تحويلها إلى عقيدة أو حقيقة دينية مقطوع بها. ومن زاوية علمية، قد يطرح بعض الباحثين فرضية تتعلق بعلم الوراثة والكروموسومات (X وY)، مفادها أن بداية الخلق كانت معجزة إلهية لا يلزم أن تخضع لجميع القوانين البيولوجية المعروفة اليوم. غير أن هذه الفرضية تبقى مجرد تأمل فكري، ولا يوجد في علم الوراثة الحديث ما يثبت أن آدم كان يحمل كروموسوم Y وحده أو أن ذلك يؤدي إلى إنجاب الذكور فقط. ومن ثم فلا يصح الاستناد إليها بوصفها دليلًا علميًا، بل غاية ما فيها أنها تذكّر بأن بداية الخلق كانت استثنائية لا تقاس عليها السنن المعتادة. وإن المنهج العلمي والشرعي يقتضي أن نفرق بين النصوص القطعية والروايات الظنية. فالنصوص القطعية تثبت أن الله خلق آدم وحواء، وأن البشرية انتشرت منهما، أما كيفية تكاثر الجيل الأول فلم يبيّنها القرآن، ولم تثبت فيها سنة صحيحة. وعليه، فإن القول بأن أبناء آدم تزوجوا أخواتهم ليس حقيقة قرآنية ولا حديثية، وإنما هو رأي تفسيري اشتهر في بعض الكتب. كما أن القول بأن الله خلق لهم أزواجًا آخرين هو احتمال لا يقطع به لعدم وجود نص صريح. والواجب على الباحث أن يقف عند حدود الوحي، وألا يجزم إلا بما ثبت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (سورة الإسراء: 36).
إن إعادة النظر في هذه المسألة ليست طعنًا في التراث، وإنما هي دعوة إلى التمييز بين القرآن الكريم وما أُلحق به من روايات تفسيرية، وإلى جعل النص القطعي هو المرجع الأول في القضايا العقدية والتاريخية، مع ترك ما سكت عنه الوحي في دائرة الاحتمال، دون جزم أو إلزام. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة و٦لى اله وصحبه وسلم تسليما .

قد يعجبك ايضا