رنج باراوي
باحث الحقوقي
بناء المواطن يسبق بناء الوطن؛ هذه هي الحقيقة الراسخة التي تخبرنا بها مؤرخات الحضارات، لأن الأرض بلا إنسان واعٍ ليست سوى جغرافيا صامتة، أما المواطنة فهي ذلك العقد الاجتماعي والقانوني الذي يبث الروح في هذه الجغرافيا. يقول الفيلسوف الفرنسي كوندروسيه: «إن الهدف من التعليم ليس جعل الناس يحبون وطنهم فحسب، بل دفعهم إلى حبه بطريقة عقلانية». ومن هنا، يبرز إعلام المواطنة كأداة دستورية فاعلة في عملية ممتزجة بالوعي القانوني؛ فالإعلام الجماهيري (ماس ميديا) ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو المحطة الرئيسية للأفراد لاستيعاب مفهوم المواطنة.
عند تحليل علم النفس السياسي للمجتمع الكردي، نجد خللاً جوهرياً يكمن في خلط المفاهيم بين “الوطنية” و”المواطنة”، بحيث تشابكت الواجبات والحقوق في ذهن الأفراد، مما جعلهم عاجزين عن التعبير السليم عن مكانتهم كمواطنين. إن المواطن الكردي مستعد عاطفياً للتضحية بحياته من أجل أرضه، ولكنه عندما يقف أمام استحقاقات “المواطنة” المنظمة بموجب القانون، يصاب بحالة من الاغتراب. إن مجتمعنا يشبه عائلة يحب أفرادها بيتهم كثيراً، ولكن عندما تغيب أسس الاحترام المتبادل للحقوق وتوزيع الواجبات بين الأب والأم والأبناء، فإن الأبناء – في لحظة غضب ونتيجة للشعور باللاعدالة – وبدلاً من إصلاح نظام إدارة العائلة، يسعون إلى ثقب البيت نفسه أو هدمه. هذا الجهل بالآليات الدستورية هو ما جعل المواطن الكردي، رغماً عن وطنيته، يتحول بسبب اليأس إلى مشجع ومروج لشعار “إسقاط الحكومة” وزوال الكيان الدستوري لإقليم كردستان، في وقت يلعب فيه “إعلام اللامواطنة” دوراً سلبياً في تغييب هوية حب الوطن وتشويه الوعي العام.
هذا الوضع لا ينفصل عن حقيقة أن غياب العدالة الاجتماعية جعل السلم النفسي لمعظم المواطنين غير مستقر، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سلوكهم اليومي؛ فمن جهة، نرى في العالم الرقمي وخلف شاشات التعليقات كيف أصبحت لغة خطاب مفعمة بالكراهية والعنف بديلاً عن الحوار، ومن جهة أخرى، تظهر علامات التشنج والغضب جلياً في لغة أجسادهم في الشوارع. يقول أرسطو: «العدل أساس الدولة»، وعندما تهتز هذه النافذة، يتحول الإعلام الجماهيري إلى أداة لبث الفرقة ونقل الأحقاد من صدور المواطنين إلى ممارسات عدائية وسلوكيات تخريبية تضر بحكومة الإقليم. وهذا الأمر يشكل خطورة بالغة من الناحية القانونية، حيث يجرمه قانون العقوبات العراقي وقانون منع إساءة استخدام أجهزة الاتصالات في الإقليم بشدة ويفرض عليه عقوبات صارمة، لأن القانون يميز دائماً وبوضوح بين “حق الانتقاد” و”الأعمال التخريبية”.
وللخروج من هذه الأزمة، نحن بحاجة إلى العقلانية وإلى إعلام مواطنة حديث، يتمثل في تأسيس مركز للإعلام الوطني كـ “هيئة عليا” تضم توليفة من التكنوقراط المتخصصين والحزبيين، بهدف خلق توازن في الخطاب الإعلامي، ومراقبة البرامج والأخبار وتوجيهها نحو المصالح العليا؛ لأنه كما يقول والتر ليبمان: «عندما يفكر الجميع بنفس الطريقة، فهذا يعني أن لا أحد يفكر». إن مهمة هذه الهيئة هي كبح جماح الشعبوية وتوجيه الرأي العام نحو المفاهيم الدستورية. وكخيار استراتيجي لتجاوز أزمة إعلام اللامواطنة وتهدئة النفوس، لا بد من اتباع “إستراتيجية انتقالية” (مرحلية) لتهدئة الشارع واستعادة الثقة عبر لغة إعلامية رصينة وهادئة، إلى حين وضع دستور دائم لإقليم كردستان؛ فالدستور وحده هو المرجعية العليا التي تحسم الحقوق والواجبات، وكما يقول جون لوك: «حيث تنتهي القوانين، يبدأ الطغيان». ومن هنا، يصبح إعلام المواطنة الدرع الواقي لحماية الإنسان وكرامة الوطن معاً.