الكرد… أمةٌ أنجبت العلماء وصنعت المجد رغم قسوة التاريخ

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي

ليست عظمة الأمم فيما تملكه من حدودٍ مرسومة، ولا فيما ترفعه من أعلامٍ على الخرائط، وإنما تُقاس بقدر ما تُقدِّمه للإنسانية من علمٍ، وفكرٍ، وأخلاقٍ، وحضارةٍ، وتضحيات. وإذا ذُكر الشعب الكردي، فإننا لا نتحدث عن جماعةٍ عابرة في التاريخ، بل عن أمةٍ ضاربة الجذور، حافظت على هويتها عبر القرون، رغم ما تعرضت له من حروبٍ، وتقسيماتٍ، ومحنٍ قاسية.
ويرى كثيرٌ من الباحثين أن الكرد من أكبر الشعوب التي لم تُقم دولةً قوميةً مستقلة، ومع ذلك لم ينكسروا، ولم يتخلوا عن لغتهم وثقافتهم وتراثهم، بل بقوا أوفياء لأرضهم، وصابرين على ما واجهوه من تحديات، حتى أصبحت قضيتهم من أبرز القضايا القومية في الشرق الأوسط.
لقد أنجبت كردستان علماءً ملأوا الدنيا علمًا، ومنهم ابن الصلاح الشهرزوري، إمام الحديث وأصول الفقه، ومعروف النودهي، وملا محمود البايزيدي، وغيرهم ممن حملوا رسالة العلم، فكانت مدارسهم مناراتٍ تهدي الأجيال.
وأنجبت مفكرين وأدباء خالدين، يتقدمهم أحمد خاني، صاحب «مم وزين»، الذي دعا إلى وحدة الكرد ونهضتهم، وجلادت بدرخان، الذي خدم اللغة الكردية، وبيرمرد، الذي جعل من الشعر منبرًا للوطن والكرامة.
أما في سجل البطولة، فإن التاريخ يقف إجلالًا أمام اسم القائد الخالد ملا مصطفى البارزاني، الذي لم يكن قائدًا عسكريًا فحسب، بل كان مدرسةً في الصبر، ورمزًا للعزة، وعنوانًا للنضال من أجل كرامة شعبه. لقد حمل همَّ كردستان في قلبه، وجعل من التضحية طريقًا، ومن الكرامة رايةً، حتى أصبح اسمه محفورًا في ذاكرة الأحرار.
لقد أثبت الكرد أن الأمة لا تموت ما دام فيها علماء يعلِّمون، ومفكرون يكتبون، وشعراء يوقظون الهمم، ومناضلون يضحون، وأمهات يربين الأبطال، وآباء يغرسون حب الوطن في نفوس أبنائهم.
إن القضية الكردية ليست قضية شعبٍ يبحث عن امتياز، وإنما قضية شعبٍ يعتز بتاريخه، ويحافظ على هويته، ويتطلع إلى مستقبلٍ يقوم على العدل والكرامة والتعايش السلمي بين جميع الشعوب.
ولقد كانت كردستان، وما زالت، أرضًا للعلم والعلماء، وللشهامة والوفاء، وللرجال الذين كتبوا تاريخهم بمداد العلم ودماء الشهداء، لا بالحقد ولا بالعدوان.
سلامٌ على كردستان، وسلامٌ على شهدائها، وسلامٌ على علمائها ومثقفيها، وسلامٌ على كل من حمل القلم مصلحًا، أو حمل المسؤولية أمينًا، أو حمل روحه دفاعًا عن كرامة شعبه.

قد يعجبك ايضا