الموازنة الثلاثية قناع الاستقرار الهش

مصطفى طارق الدليمي

يقول المثل العراقي القديم “الدين هم بالليل وذل بالنهار” وما أشبه حال موازنة بلدنا اليوم بهذا المثل فهي دين مؤجل على الأجيال وهم يثقل ليل السلطة التنفيذية وذل يصيب المواطن في نهاره حين يقف أمام باب موظف الدولة ينتظر راتباً تأخر أو مشروعاً توقف أو عقداً عُلّق دون تفسير
بدأت هذه القصة في حزيران من عام ألفين وثلاثة وعشرين حين لجأ مجلس النواب إلى حل ابتكرته الحكومة ظناً منها أنه سيريحها من عناء المداولات السنوية المتكررة
فأقرّ ما عُرف بـ”الموازنة الثلاثية” لتغطي الأعوام ألفين وثلاثة وعشرين وأربعة وعشرين وخمسة وعشرين بمبلغ إجمالي قارب مئة وتسعة وتسعين تريليون دينار على أن ترفع الحكومة إلى البرلمان جداول تفصيلية كل عام تعكس المتغيرات المالية والاقتصادية الطارئة وقد بدت الفكرة في ظاهرها حلاً عملياً يجنّب البلاد صراعات المحاصصة السنوية المتكررة على تشريع الموازنة ويمنح المستثمر والمقاول شيئاً من الطمأنينة بأن التمويل مستمر لا ينقطع ويدعم بعض مظاهر اللامركزية عبر تفويض المحافظات بمعرفة مستحقاتها مسبقاً غير أن هذا الحل الذي بدا عبقرياً في لحظته السياسية تحوّل مع الوقت إلى فخ تشريعي ومالي معقد فجداول موازنة عام ألفين وخمسة وعشرين لم تصل إلى البرلمان حتى تاريخ كتابة هذه السطور وهذا يعني أن البلاد تعيش منذ أكثر من عام ونصف من دون موازنة فعلية محدثة تدار شؤونها المالية بقاعدة الصرف الشهري بنسبة واحد على اثني عشر من نفقات العام الذي سبق وهي قاعدة اضطرارية لا تصلح إلا لسد الرمق لا لإدارة دولة تواجه تحديات متراكمة
وقد انعكس هذا الجمود مباشرة على حياة الناس فتظاهر في بغداد مطلع أيار الماضي أحد عشر ألف متعاقد فازوا بعقود محافظة بغداد ثم فوجئوا بقرار وزارة المالية إيقاف إجراءات تعاقدهم وخرج مزارعون في احتجاجات موازية رفضاً لتخفيض أسعار شراء محصول الحنطة في مؤشر على أن أزمة الموازنة ماعادت ملفاً مالياً بحتاً انما قضية معيشية تمس رزق آلاف العائلات والمفارقة أن الحكومة ذاتها باتت اليوم تتحدث عن إعداد موازنة عام ألفين وستة وعشرين بسعر افتراضي للنفط قدره ستون دولاراً للبرميل أي أدنى من السعر الذي اعتُمد في موازنة العام الماضي والبالغ سبعين دولاراً تحسباً لتقلبات الأسواق العالمية والتوترات المتصاعدة في مضيق هرمز التي تهدد صادرات النفط العراقية بينما لا تزال جداول العام السابق عالقة دون إقرار وهذا يعني عملياً أن البلاد مقبلة على وضع غير مسبوق حكومة تُعِدّ موازنة جديدة قبل أن تُغلق حسابات الموازنة القديمة وهو ما وصفه أحد أعضاء اللجنة المالية النيابية بأنه إجراء غير سليم يخالف أبسط قواعد الانضباط المالي والرقابة البرلمانية التي يفترض أن يكفلها الدستور عبر الحسابات الختامية السنوية
وتتضاعف الأزمة تعقيداً حين تُربط بالمشهد السياسي العام فالبلاد كانت تنتظر استحقاقات ما بعد الانتخابات من انتخاب رئيس للجمهورية إلى تكليف رئيس للوزراء وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات وكل هذه الخطوات تُبطئ من قدرة السلطة التنفيذية على تقديم مشروع موازنة متكامل بينما تستمر الأعباء المالية اليومية في التراكم فرواتب موظفي الدولة وحدها تتجاوز ثمانية تريليونات دينار شهرياً أي ما يقارب ستة مليارات وربع المليار دولار وهو رقم ضخم يوضح حجم الضغط على خزينة الدولة في ظل غياب موازنة رسمية تنظم الإنفاق وتحدد أولوياته
وقد لجأت الحكومة في غياب الموازنة إلى تدابير انتقالية طارئة لضمان استمرار صرف الرواتب والمعاشات وهي حلول ترقيعية تكشف هشاشة النظام المالي أكثر مما تعالجه ولعل أخطر ما في هذه التجربة هو أثرها على الاستقرار التشريعي ذاته فحين تتحول الموازنة إلى ملف مؤجل يُدار بالتوافقات السياسية أكثر مما يُدار بالضوابط الدستورية يفقد البرلمان أحد أهم أدواته الرقابية على المال العام ويتحول العمل التشريعي إلى ساحة صراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حول توقيت تمرير الجداول المالية بدل أن يكون أداة تخطيط اقتصادي طويل الأمد. وقد أقرّ رئيس الوزراء نفسه في تصريحات سابقة بأن جميع الموازنات التي أقرتها الحكومات المتعاقبة تنطوي على عجز مالي مزمن معلناً عزمه عدم اللجوء إلى صيغة الموازنات الثلاثية مستقبلاً وهو اعتراف ضمني بأن التجربة على الرغم من نيتها الحسنة في تجاوز خلافات التشريع السنوي لم تفلح في تحقيق الانضباط المالي المنشود بل أضافت طبقة جديدة من الغموض حول من يتحمل مسؤولية التأخير الحكومة التي تُبطئ في رفع الجداول أم البرلمان الذي ينشغل باستحقاقاته السياسية عن التشريع أم البيئة الإقليمية المضطربة التي تُربك حسابات النفط والإيرادات؟
يبقى الدرس الذي تقدمه هذه الأزمة واضحاً لمن أراد أن يتعظ إن الحلول الاستثنائية التي تُبتكر للهروب من استحقاق دستوري متكرر كإقرار موازنة سنوية قد تريح السلطة مؤقتاً لكنها تراكم مشكلات أعمق حين تغيب الرقابة والمساءلة عن التفاصيل المؤجلة سنة بعد أخرى والموازنة في أي دولة ليست رقماً حسابياً يُقر ويُنسى انما هي مرآة لعلاقة السلطة بالمواطن ومقياس لجدية المؤسسة التشريعية في أداء دورها الرقابي وحين تغيب هذه المرآة أو تُشوَّه صورتها بالتأجيل والترحيل فإن الخاسر الأول والأخير هو ذلك المتعاقد الذي ينتظر عقده والمُزارع الذي ينتظر ثمن محصوله والموظف الذي يترقب راتبه في نهاية كل شهر بينما تبقى المؤسسة السياسية غارقة في حساباتها الخاصة بعيدة عن حسابات الناس اليومية

قد يعجبك ايضا