فن الكرافيك ودوره في تطور الحركة التشكيلية العراقية

جهان كامل شريف الكلي

يُعد فن الكرافيك من أهم الفنون البصرية التي أسهمت في تشكيل ملامح الحداثة الفنية، لما يمتلكه من خصوصية تقنية وقدرة تعبيرية تجمع بين الإبداع التشكيلي والإمكانات الطباعية التي تتيح انتشار العمل الفني وتداوله على نطاق واسع. ولم يعد الكرافيك مجرد وسيلة لإنتاج الصور المطبوعة، بل أصبح خطابا بصريا يحمل أبعاداً فكرية وجمالية وثقافية، يعكس رؤية الفنان تجاه مجتمعه وقضاياه، ويترجم التحولات الفكرية والفنية التي يشهدها عصره. ومن هذا المنطلق احتل فن الكرافيك مكانة بارزة في مسيرة الحركة التشكيلية العراقية، إذ أسهم في إغناء التجربة الفنية المحلية، وفتح آفاق جديدة أمام الفنان العراقي لاستثمار التقنيات الحديثة مع الحفاظ على خصوصية الهوية الحضارية العراقية.

شهد العراق بدايات الاهتمام بفن الكرافيك مع تطور المؤسسات الأكاديمية، ولاسيما معاهد وكليات الفنون الجميلة، التي عملت على تدريس تقنيات الحفر والطباعة بمختلف أنواعها، وأسهمت في إعداد جيل من الفنانين الذين تلقى عدد منهم دراساتهم العليا في الأكاديميات الأوروبية، ليعودوا حاملين معهم خبرات تقنية وفكرية كان لها أثر واضح في تطور الحركة التشكيلية العراقية.

وقد تعزز حضور فن الكرافيك بصورة أكثر وضوحاً منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، مع اتساع النشاط الأكاديمي وازدياد حركة الابتعاث إلى المعاهد الفنية العالمية، الأمر الذي أسهم في نقل أحدث تقنيات الحفر والطباعة إلى العراق. كما شهدت تلك المرحلة إقامة معارض وورش فنية متخصصة عززت حضور الكرافيك في المشهد التشكيلي، وربطت هذا الفن بمشروع الحداثة الذي سعى إلى المزج بين الأصالة والمعاصرة.

وتزامن هذا التطور مع انفتاح الفن العراقي على التيارات الفنية العالمية، دون أن يفقد ارتباطه العميق بالموروث الحضاري لبلاد الرافدين، فاستلهم الفنانون الرموز السومرية والبابلية والآشورية، والخط والزخارف، وأعادوا صياغتها ضمن رؤى معاصرة تجمع بين الهوية الوطنية والاتجاهات الفنية الحديثة، فكانت أعمالهم شاهداً على قدرة الفن العراقي على استيعاب التجارب العالمية وإعادة إنتاجها بروح محلية أصيلة.

إن خصوصية فن الكرافيك تكمن في اعتماده على مجموعة متنوعة من التقنيات، مثل الحفر على الخشب والمعدن، والطباعة الحجرية، والطباعة بالشاشة الحريرية، فضلاً عن التقنيات الرقمية التي أضافت خلال العقود الأخيرة أبعاداً جديدة لهذا الفن. ولا تمثل هذه التقنيات أدوات تنفيذ فحسب، بل تشكل منظومة جمالية متكاملة تمنح الفنان إمكانات واسعة في بناء العلاقات بين الخط والكتلة والفراغ والملمس واللون، بما يحقق صياغات بصرية ذات قدرة عالية على التعبير والإيحاء.

وقد استطاع الكرافيك أن يواكب التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي مر بها العراق، وأن يكون وسيلة فعالة لتوثيق الأحداث والتعبير عن هموم الإنسان العراقي، عبر لغة تشكيلية تقوم على الرمز والاختزال والتكثيف.

وقد تجلت هذه الخصائص في العديد من الأعمال التي تناولت موضوعات الحرب والهجرة والهوية والذاكرة الجمعية، إذ استطاع الفنانون تحويل التجربة الإنسانية إلى خطاب بصري مؤثر يجمع بين البعد الجمالي والرسالة الفكرية.

لقد كان للحركة التشكيلية العراقية، منذ نشأتها الحديثة، مشروع واضح يتمثل في البحث عن هوية فنية وطنية تنطلق من الإرث الحضاري العريق وتتفاعل مع منجزات الفن العالمي.

وفي هذا السياق أدى فن الكرافيك دوراً محورياً في تحقيق هذا المشروع، إذ وفر للفنانين مساحة واسعة للتجريب والابتكار، وأسهم في تجاوز الحدود التقليدية للرسم والتصوير، من خلال إدخال تقنيات وأساليب جديدة أغنت التجربة التشكيلية العراقية، كما ساعدت طبيعة الأعمال الكرافيكية، بوصفها قابلة للاستنساخ والطباعة، على نشر الثقافة البصرية وتوسيع دائرة تلقي الفن، مما جعلها أكثر قرباً من المجتمع، وأسهم في تعزيز الوعي الجمالي لدى مختلف شرائحه.

ويبرز في هذا السياق الدور الذي اضطلع به عدد من الفنانين العراقيين الذين أسهموا في ترسيخ مكانة فن الكرافيك وتطوير تقنياته وأساليبه التعبيرية، فقد قدم رافع الناصري تجربة رائدة جمعت بين تقنيات الحفر والطباعة وجماليات الخط، واستطاع أن يمنح العمل الكرافيكي بعداً فلسفياً وإنسانياً يستند إلى التراث العربي والإسلامي، مع انفتاح واضح على منجزات الفن العالمي، كما قدم ضياء العزاوي تجربة متميزة استثمر فيها الرموز والأساطير العراقية والموروث الشعبي ضمن تكوينات بصرية معاصرة، أكدت قدرة الكرافيك على استيعاب القضايا الفكرية والإنسانية بلغة تشكيلية مكثفة.
وإلى جانب هذين الرائدين، أسهم فنانون عراقيون من مختلف البيئات الثقافية في إثراء الحركة التشكيلية، ومنهم الفنان الكوردي لقمان أحمد الذي عُرف بتجاربه المعاصرة المستلهمة من البيئة الكوردية، إلى جانب عدد من الفنانين الذين أسهموا في تطوير التعليم الفني وإقامة المعارض والملتقيات التشكيلية، مما أوجد تراكما معرفياً وفنياً أسهم في تكوين أجيال متعاقبة من الفنانين، لكل منها رؤيته الخاصة مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية للفن العراقي وتنوع روافد.

ومع التطور المتسارع للتقنيات الرقمية، دخل فن الكرافيك مرحلة جديدة اتسمت بالتكامل بين الأساليب التقليدية والوسائط الرقمية، الأمر الذي أتاح للفنان العراقي آفاقاً أوسع للإبداع والتواصل مع التجارب العالمية، مع المحافظة على خصوصية هويته الثقافية. كما انعكس هذا التطور على مناهج تدريس الفنون الجميلة، التي أصبحت أكثر انفتاحاً على البرمجيات الحديثة، دون إغفال أهمية المهارات اليدوية التي تمثل الأساس التقني والجمالي لفنون الحفر والطباعة.

وعلى الرغم من هذا التطور، ما يزال فن الكرافيك في العراق يواجه عدداً من التحديات، من أبرزها محدودية الورش والمختبرات المتخصصة، وارتفاع كلفة المواد والأدوات، فضلاً عن تراجع استخدام بعض التقنيات الطباعية التقليدية أمام الانتشار الواسع للتصميم الرقمي. ومع ذلك، فإن هذه التحديات تفتح المجال أمام تطوير صيغ جديدة تجمع بين الأصالة والتكنولوجيا، وتمنح الفنان إمكانات أوسع للتجريب والابتكار.

إن دراسة تأثير فن الكرافيك في الحركة التشكيلية العراقية تكشف عن دوره الحيوي في بناء الخطاب البصري العراقي الحديث، إذ لم يعد مجرد تقنية للطباعة، بل أصبح حقلاً معرفياً وجمالياً أسهم في ترسيخ الهوية الفنية العراقية، وربط بين الإرث الحضاري العريق ومتطلبات الحداثة. ومن ثم يمكن النظر إلى الكرافيك بوصفه أحد أهم المرتكزات التي أسهمت في تطور الفن التشكيلي العراقي، لما يمتلكه من قدرة على التجدد واستيعاب المتغيرات الثقافية والتقنية، مع الحفاظ على خصوصية التجربة العراقية. ومن المتوقع أن يواصل هذا الفن حضوره المؤثر في المستقبل، مستنداً إلى إرثه التاريخي وإمكاناته الإبداعية، وإلى طاقات الفنانين العراقيين القادرين على إنتاج رؤى بصرية تعبر عن الإنسان العراقي وتاريخه وحضارته بلغة فنية معاصرة.

قد يعجبك ايضا