د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان
ليست أزمة الرواتب التي تتكرر في إقليم كوردستان أزمة مالية عابرة، ولا يمكن اختزالها في خلافات متجددة مع الحكومة الاتحادية في بغداد أو في تقلبات أسعار النفط. فالأزمات التي تتكرر بالآليات نفسها، وتعود بالنتائج ذاتها، لا تعكس خللا مؤقتا في الإدارة، بل تكشف عن بنية حكم تنتج أسباب أزماتها وتعيد إنتاجها باستمرار، وعندما تتحول الأزمة من حدث استثنائي إلى حالة مألوفة، يصبح البحث في أسبابها المباشرة أقل أهمية من البحث في الآليات التي تجعل استمرارها ممكنا.
من هذا المنطلق، لا تكمن المشكلة في تأخر الرواتب بحد ذاته، بل في النظام السياسي والاقتصادي الذي جعل هذا التأخر احتمالا دائما، فالدولة الحديثة تقاس بقدرتها على تحويل الحقوق الأساسية إلى التزامات مستقرة لا تخضع للتجاذبات السياسية، بينما تتحول الرواتب في هذه الحالة إلى متغير يرتبط بموازين القوى أكثر مما يرتبط بالقواعد المالية والمؤسسية؛ وهنا تتجاوز الأزمة بعدها المالي لتصبح مؤشرا على طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسات والمجتمع.
تكشف هذه الظاهرة أن إدارة الموارد العامة لا تتم وفق منطق اقتصادي مستقل، بل ضمن شبكة معقدة من الاعتبارات السياسية والمصالح الحزبية المتبادلة؛ وعندما تصبح القرارات المالية امتدادا للصراع السياسي، يفقد الاقتصاد وظيفته الأساسية بوصفه أداة لتحقيق الاستقرار، ويتحول إلى وسيلة لإدارة التوازنات داخل منظومة الحكم؛ ونتيجة لذلك، لا يعود المواطن متلقيا لخدمة عامة تحميها المؤسسات، بل يصبح طرفا يتأثر بصورة مباشرة بكل تغير في تلك التوازنات.
ولا يقتصر الخلل على طبيعة إدارة المال العام، بل يمتد إلى الطريقة التي تصاغ بها شرعية السلطة نفسها؛ فكلما تراجعت قدرة المؤسسات على إنتاج الإنجاز الحقيقي، ازداد الاعتماد على إنتاج صورة الإنجاز، ومن هنا يمكن فهم الحضور الكثيف للحملات الإعلامية والمشاريع ذات الطابع الاستعراضي في مقابل استمرار الأزمات التي تمس الحياة اليومية للمواطن؛ فالمفارقة لا تكمن في وجود نشاط إعلامي واسع، وإنما في أن الصورة تصبح بديلا عن الأداء، والانطباع بديلا عن الكفاءة.
عند هذه النقطة، لا يعود الإعلام مجرد وسيلة للتواصل مع المجتمع، بل يتحول إلى أحد مكونات بنية الحكم؛ فبدلا من أن يؤدي وظيفة الرقابة وكشف الخلل، يصبح أداة لإعادة تشكيل إدراك الجمهور، بحيث تبدو الإنجازات أكثر حضورا من الأزمات، وتصبح المشروعات الرمزية أكثر وضوحا من المشكلات البنيوية؛ وهكذا تنشأ – حكومة الصورة-، حيث يستثمر في إدارة الانطباعات بالقدر الذي يفترض أن يستثمر فيه في إصلاح المؤسسات.
لكن الصورة، مهما بلغت قدرتها على التأثير، لا تستطيع أن تعوض غياب الأسس الاقتصادية والإدارية السليمة؛ فالإقليم ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على اقتصاد ريعي يرتبط بإيرادات النفط والتحويلات المالية، في حين لم تتشكل بعد قاعدة اقتصادية متنوعة قادرة على تخفيف أثر الأزمات؛ ويزداد هذا الوضع هشاشة عندما تغيب أدوات الاستقرار المالي، مثل الاحتياطيات الكافية أو الآليات المؤسسية التي تحمي الرواتب والخدمات الأساسية من التقلبات السياسية والاقتصادية.
غير أن الريع، في ذاته، ليس المشكلة الأساسية؛ فدول كثيرة تعتمد على الموارد الطبيعية من دون أن تتحول إلى رهينة لأزماتها؛ المشكلة تكمن في الطريقة التي يدار بها الريع، وفي اندماجه داخل شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية التي تجعل توزيع الموارد خاضعا لمنطق النفوذ أكثر من خضوعه لأولويات التنمية؛ وعندما يحدث ذلك، لا يعود الاقتصاد مجالا مستقلا للإنتاج والاستثمار، بل يصبح امتدادا لبنية السلطة وآلية من آليات استمرارها.
وتتجلى هذه العلاقة في تداخل المصالح بين القرار السياسي والأنشطة الاقتصادية، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين إدارة الشأن العام وإدارة المصالح الخاصة، وفي مثل هذا السياق، تتحول الموازنة العامة من أداة لتوزيع الموارد على أساس المصلحة العامة إلى وسيلة لإعادة إنتاج التوازنات داخل منظومة الحكم، فتغدو الأولوية للمشروعات التي تعزز النفوذ السياسي أو الرمزي، بينما تتراجع القضايا المرتبطة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمواطن.
إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يكتفي بإنتاج الأزمة، بل يعيد إنتاجها بصورة مستمرة؛ فكل أزمة تدار بوصفها حالة طارئة تستدعي حلولا مؤقتة، من دون مراجعة القواعد التي أفرزتها، ومع مرور الوقت، تصبح إدارة الأزمة أكثر حضورا من معالجتها، ويتحول الحل المؤقت إلى نمط دائم في إدارة الدولة، وعندئذ لا يعود السؤال: كيف نخرج من الأزمة؟ بل كيف أصبحت الأزمة جزءا من طريقة عمل النظام نفسه؟.
وتنعكس هذه الديناميكية بصورة مباشرة على العلاقة بين المواطن والدولة؛ فالثقة بالمؤسسات لا تبنى بالخطاب السياسي ولا بالحملات الإعلامية، وإنما تنشأ من انتظام الحقوق واستقرار القواعد التي تحكمها؛ وعندما يفقد الموظف يقينه بموعد حصوله على راتبه، لا يخسر موردا ماليا فحسب، بل يفقد جزءا من ثقته بقدرة الدولة على الوفاء بأبسط التزاماتها؛ ومع تكرار هذه التجربة، يتآكل الشعور بالعدالة، وتضعف شرعية المؤسسات تدريجيا، لأن الشرعية في الدولة الحديثة تستمد قوتها من كفاءة الأداء بقدر ما تستمدها من المشروعية القانونية.
كما أن استمرار هذا الوضع ينعكس على موقع الإقليم في علاقته مع الحكومة الاتحادية؛ فالمؤسسات التي تعاني هشاشة مالية دائمة تصبح أقل قدرة على إدارة التفاوض من موقع الندية، لأن اعتمادها المستمر على تدفقات مالية خارج سيطرتها يجعل قرارها الاقتصادي والسياسي أكثر قابلية للتأثر بالضغوط؛ وعندئذ تتحول الخلافات المالية إلى أدوات متبادلة لإدارة الصراع، بينما يبقى المواطن الطرف الأكثر تأثرا بنتائجها.
ولا يقتصر أثر هذه البنية على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الثقافة السياسية ذاتها، فالمجتمع الذي يعيش أزمات متكررة يبدأ تدريجيا بالتكيف معها، وتتحول الاستثناءات إلى أوضاع اعتيادية، وعندما يعتاد المواطن انتظار راتبه كما ينتظر انتهاء كل أزمة جديدة، تتراجع فكرة الحق لتحل محلها ثقافة الترقب والاعتماد، وهذه من أخطر نتائج الأزمات المزمنة، لأنها لا تستنزف الاقتصاد وحده، بل تعيد تشكيل وعي المجتمع وعلاقته بالدولة، فيصبح التعامل مع الاختلالات المستمرة جزءا من الحياة اليومية، لا حالة تستدعي التغيير.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من معالجة نتائج الأزمة، بل من مراجعة القواعد التي تسمح بإعادة إنتاجها، فتعزيز استقلال المؤسسات المالية، وترسيخ الشفافية في إدارة المال العام، وإخضاع الإنفاق لرقابة مؤسسية فعالة، وإعادة تنظيم العلاقة بين القرار السياسي والموارد الاقتصادية، ليست إجراءات منفصلة، بل شروط متكاملة لإعادة بناء الدولة على أسس مستقرة. فالمشكلة لا تكمن في نقص الموارد وحده، وإنما في الكيفية التي تدار بها، وفي طبيعة العلاقة التي تربط السلطة بالاقتصاد.
وفي السياق نفسه، لا يمكن للإعلام أن يؤدي دورا إيجابيا ما دام ينظر إليه بوصفه أداة لصناعة الانطباع أكثر من كونه وسيلة للمساءلة؛ فحين تتحول الصورة إلى غاية بحد ذاتها، تتراجع أهمية الواقع، ويصبح النجاح قابلا للقياس بما يعرض أمام الجمهور لا بما يتحقق في حياته اليومية، أما حين يستعيد الإعلام وظيفته الرقابية، ويصبح كشف الاختلالات جزءا من حماية المؤسسات لا تهديدا لها، فإنه يتحول من عنصر يساهم في إخفاء الأزمة إلى عنصر يساعد على معالجتها.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في أزمة الرواتب نفسها، بل في البنية التي تجعل الأزمة قابلة للتكرار؛ فالدولة التي تعجز عن تحويل الحقوق الأساسية إلى التزامات مؤسسية مستقرة، وتستبدل منطق الإدارة بمنطق إدارة الأزمات، تظل معرضة لإعادة إنتاج المشكلات مهما تبدلت الحكومات أو تغيرت الظروف الاقتصادية، لذلك، فإن أي إصلاح يقتصر على معالجة النتائج سيبقى إصلاحا جزئيا، لأن الأسباب العميقة ستظل تعمل في الخلفية، منتجة الأزمات ذاتها بأشكال مختلفة.
وفي النهاية، لا تكشف أزمة الرواتب عن نقص في الموارد بقدر ما تكشف عن طبيعة النموذج الذي تدار به الدولة – الاقليم -؛ فحين تصبح إدارة الصورة أكثر أهمية من إدارة الواقع، ويتحول الاقتصاد إلى أداة لحماية التوازنات السياسية بدلا من خدمة المصلحة العامة، فإن الأزمة لا تعود خللا طارئا، بل تصبح جزءا من بنية الحكم نفسها، وعندئذ، لا يكون التحدي الحقيقي هو دفع الرواتب في موعدها، وإنما إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمؤسسات والاقتصاد على أسس تجعل حماية المواطن واستقرار حقوقه معيارا لنجاح الدولة وشرطا دائما لشرعيتها، لا نتيجة مؤقتة لظروف سياسية أو مالية متغيرة.