تحالف أم تآمر؟

 

جواد ملكشاهي

في خضم التحولات السياسية التي يشهدها إقليم كوردستان والمنطقة عموماً، يبرز الحديث عن التقارب بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وحركة الجيل الجديد بوصفه واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل. فهل نحن أمام تحالف سياسي طبيعي تفرضه الحسابات الانتخابية والمصالح الحزبية، أم أن ما يجري يتجاوز حدود التفاهم السياسي ليقترب، في نظر كثيرين، من مشروع يستهدف تقويض مكانة الإقليم وتحجيم دوره؟

إن المتابع للمشهد الكوردستاني يلحظ وجود حالة من التكالب السياسي والإقليمي على تجربة إقليم كوردستان، وهي تجربة استطاعت، رغم ما واجهته من أزمات وحروب وحصار وخلافات داخلية، أن تفرض نفسها ككيان دستوري يتمتع بحضور سياسي واقتصادي وأمني مؤثر. ويرى أصحاب هذا الرأي أن بعض القوى الإقليمية، ومعها أطراف محلية كوردستانية وقوة سياسية مرتبطة بدول الأقليم، تنظر إلى قوة الإقليم من زاوية قوة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بوصفه أحد الأعمدة الرئيسة التي قامت عليها هذه التجربة.

ومن هذا المنطلق، يعتقد هؤلاء أن أي اصطفاف سياسي يستهدف إضعاف الحزب الديمقراطي الكوردستاني إنما يهدف في جوهره إلى ضرب قلب الإقليم وتقليص قدرته على التأثير في المعادلة العراقية والإقليمية. فالقضية، بحسب هذا التصور، لا تتعلق بمنافسة حزبية عابرة، بل بصراع على هوية الإقليم ومستقبله وموقعه السياسي.

لكن التاريخ القريب يقدم دروساً لا يمكن تجاهلها. فالقيادة البارزانية، التي تقود الحزب الديمقراطي الكوردستاني، تعرضت خلال العقود الأخيرة لتحالفات وضغوط كثيرة، بعضها كان داخلياً وبعضها الآخر إقليمياً ودولياً. ومع ذلك، لم تؤدِ تلك المحاولات إلى تحقيق أهداف خصومها، بل انتهت في كثير من الأحيان إلى نتائج مخيبة للذين راهنوا على إضعاف الحزب أو إنهاء دوره. فقد بقي الحزب الديمقراطي الكوردستاني لاعباً أساسياً في الساحة الكوردستانية والعراقية، واستمر في تمثيل شريحة واسعة من أبناء شعب كوردستان.

ولا يعني ذلك أن أي حزب فوق النقد أو المراجعة، فالحياة السياسية السليمة تقوم على التنافس والرقابة وتداول الآراء. غير أن تحويل الخلافات السياسية إلى مشاريع تستدعي التدخلات الخارجية أو تتقاطع مع أجندات لا تنسجم مع مصالح شعب كوردستان، أمر يحمل مخاطر كبيرة على الجميع، من دون استثناء.

إن المرحلة الراهنة تتطلب من القوى الكوردستانية كافة أن تعيد حساباتها، وأن تدرك أن استمرار الانقسام وتعطيل المؤسسات الدستورية لن يحقق مكاسب حقيقية لأحد. فالطريق الأسلم يتمثل في العودة إلى جادة الحوار والتفاهم الوطني، وتفعيل برلمان كوردستان ليؤدي دوره التشريعي والرقابي، والإسراع في تشكيل حكومة جديدة وفق الاستحقاقات الانتخابية وإرادة الناخبين، بعيداً عن منطق الإقصاء والمكايدة السياسية.

إن شعب كوردستان قدم تضحيات جساماً من أجل حريته وحقوقه المشروعة، ولا يستحق أن تتحول خلافات قواه السياسية إلى سبب لإضعاف تجربته أو تهديد استقراره. وإذا كان بعضهم يظن أن التحالفات الظرفية أو الاتكاء على الدعم الخارجي يمكن أن يحقق انتصاراً دائماً، فإن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن الرابح الحقيقي هو من ينحاز إلى إرادة الشعب ويحافظ على وحدة الصف الكوردستاني.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: هل ما نشهده اليوم هو تحالف سياسي عابر تفرضه المصالح والظروف، أم أنه مسار يحمل في طياته مشروعاً لتقويض تجربة إقليم كوردستان وتحجيم دورها؟ أياً تكن الإجابة، فإن المؤكد أن مستقبل الإقليم لن يُبنى بالمؤامرات ولا بالاصطفافات الخارجية، بل بالحوار والشراكة واحترام الإرادة الشعبية، وإلا فلن يجني المتخاصمون سوى الخيبة والخذلان، بينما يبقى شعب كوردستان هو الخاسر الأكبر عند استمرار هذا الصراع.

قد يعجبك ايضا