العراق بين الدولة والنظام السياسي: هل يمكن الإصلاح من الداخل

آشتي محمد
كاتبة ومحللة سياسية

ليست أزمة العراق اليوم أزمة حكومات تتغير أو أسماء تتبدل، بل الأزمة الأعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه. فبعد أكثر من عقدين على التحول السياسي، ما زالت الدولة تعيد إنتاج نفس المشكلات: ضعف المؤسسات، تشتت القرار، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة.
لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس:

من يحكم العراق؟
بل: كيف يُحكم العراق؟

هل المشكلة في الأشخاص الذين قادوا العراق منذ تٲسيسه! من السهل دائماً توجيه اللوم إلى القادة أو الحكومات، لكن هذا التفسير يبقى سطحياً. فحتى القادة ذوو الخبرة أو الحزم غالباً ما يجدون أنفسهم داخل منظومة معقدة تحدّ من قدرتهم على التغيير.
المشكلة الأساسية أن القرار السياسي لا يُصنع داخل مؤسسات مستقرة، بل داخل توازنات متغيرة بين قوى متعددة، ما يجعل الدولة أقرب إلى إدارة توافقات من كونها إدارة سياسات عامة.
وكثيراً مايتم الخلط بين مفهوم (الدولة والنظام السياسي) وهو من ٲهم أحد أسباب سوء التشخيص فالدولة القوية تُبنى على مؤسسات دائمة: قانون، قضاء، إدارة عامة، واقتصاد منظم.
أما النظام الضعيف فيعتمد على الأشخاص، وعلى التفاهمات المؤقتة، وعلى موازين القوى الغير مستقرة علی الٲمد البعيد.
كثيراً ما يُطرح أن المشكلة في (ثقافة المجتمع العراقي) لكن هذا التفسير غير دقيق فالثقافة السياسية في المجتمعات ليست ثابتة، بل تتشكل عبر التجربة اليومية للمواطن مع الدولة.
عندما تكون الدولة عادلة وفعالة، يتغير سلوك المواطن تدريجياً.
وعندما تكون الدولة ضعيفة وغير متوازنة، يلجأ المواطن إلى بدائل أخرى مثل الانتماءات الضيقة أو العلاقات الغير رسمية.
بمعنى آخر:
الثقافة السياسية ليست سبب الأزمة فقط، بل نتيجة لها أيضاً.
الإصلاح في العراق لا يمكن أن يكون لحظة مفاجئة أو تغييراً جذرياً سريعاً، بل هو عملية طويلة ومركبة تبدأ من الأساس،ضبط الموارد المالية للدولة ومنع الهدر وتعزيز استقلال القضاء وتطبيق القانون.
بناء إدارة عامة تعتمد على الكفاءات ودعم اقتصاد غير ريعي يقلل من اعتماد الدولة على النفط وحده،هذه الخطوات لا تبدو “ثورية”، لكنها في الواقع هي التي تصنع الدولة المستقرة.

وٲخيراً التحول الحقيقي لا يحدث عندما يتغير القادة، بل عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد. عندها فقط تصبح الدولة قادرة على الاستمرار مهما تغيّرت الحكومات.
الدولة التي تُبنى على الأشخاص تبقى هشّة مهما بدا فيها من استقرار مؤقت، بينما الدولة التي تُبنى على المؤسسات قادرة على الصمود أمام الأزمات.

إن مستقبل العراق لا يتوقف على ظهور قائد مثالي أو حكومة استثنائية، بل على قدرة النظام السياسي على التحول من إدارة التوازنات إلى إدارة المؤسسات.
الإصلاح الحقيقي ليس حدثاً سياسياً سريعاً، بل مسار طويل يبدأ بإعادة بناء الدولة من الداخل، وينتهي بإعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على أساس القانون والثقة والعدالة.

(الدول لا تنهض بتغيير الأشخاص فقط، بل ببناء نظام مؤسساتي قوي يجعل الأشخاص غير قادرين على تدميرها).

قد يعجبك ايضا