رفعت مرهون الصفار… حين أصبح أدب الطفل بوابةً إلى المعرفة وحفظ الذاكرة

محمد علي محيي الدين

يشغل الأديب والباحث العراقي رفعت مرهون الصفار مكانة متميزة في المشهد الثقافي العراقي بوصفه واحداً من الكتّاب الذين جمعوا بين أدب الطفل والكتابة التراثية، وبين المعرفة العلمية والاهتمام بالتاريخ الاجتماعي لبغداد والنجف. فقد آمن بأن الكتابة للأطفال ليست ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية تربوية وإنسانية، وأن المحافظة على ذاكرة المدن والأحياء القديمة لا تقل أهمية عن تنشئة الأجيال الجديدة. ولهذا جاءت تجربته متنوعة، امتدت من الترجمة والتأليف في الثقافة العلمية الموجهة للصغار إلى توثيق التراث البغدادي وسير الشخصيات الأدبية، فكوّن مشروعاً ثقافياً اتسم بالتعدد والاتساع.

Screenshot

وُلد رفعت مرهون الصفار في محلة صبابيغ الآل ببغداد سنة 1929، وهي إحدى المحلات العريقة التي احتفظت بطابعها الاجتماعي والثقافي زمناً طويلاً. ولم يلبث أن انتقل مع أسرته إلى مدينة النجف، بعد انتقال والده للعمل فيها، وهناك تشكل وعيه الأول وسط بيئة علمية وأدبية تركت بصمتها الواضحة في شخصيته. وكان والده، الشاعر مرهون الصفار، من أبرز المؤثرين في حياته؛ إذ لم يكتف بتشجيعه على القراءة، بل كان يختار له الكتب الملائمة، ويوجهه إلى أساليب التعبير، ويشركه في الحوارات الأدبية التي كانت تدور في مجلسه الأسبوعي المعروف بـ «ندوة الخميس»، وهي الندوة التي استقطبت نخبة من شعراء النجف وأدبائها وأصحاب الرأي، وأسهمت في صقل موهبته المبكرة وإيقاظ شغفه بالأدب.
وقد جمع الصفار بين الدراسة العلمية والميول الثقافية، فالتحق بمعهد الصحة العالي في بغداد، وتخرج فيه سنة 1950، ليبدأ حياته الوظيفية في مؤسسات الدولة، قبل أن ينتهي به المطاف سكرتيراً لعمادة كلية الطب في جامعة بغداد، وهو المنصب الذي شغله حتى إحالته إلى التقاعد سنة 1980. وخلال سنوات عمله لم ينقطع عن تطوير نفسه، فشارك في عدد من الدورات التي نظمتها جامعة بغداد، وكان من المتفوقين فيها، ولا سيما في إدارة الأعمال، كما أوفد إلى مدينة الإسكندرية للحصول على دبلوم في طب المجتمع والسلامة المهنية، وهو ما يعكس شخصيته المنفتحة على المعرفة التطبيقية إلى جانب اهتماماته الأدبية.
ولم يكن التقاعد نهاية لمسيرته، بل بداية لمرحلة جديدة أكثر غنى. فقد تولى بعد ذلك عدداً من المسؤوليات، منها سكرتارية الهيئة الوطنية للغذاء والتغذية، والعمل مسؤولاً للإعلام والعلاقات العامة في مجلس البحث العلمي، وهي مواقع أتاحت له الإفادة من خبرته الإدارية والثقافية في آن واحد.
غير أن الوجه الأبرز في سيرته يبقى إنتاجه الأدبي، ولا سيما في مجال أدب الأطفال، الذي كرّس له جانباً مهماً من حياته. فقد كان يرى أن الطفل يحتاج إلى كتاب يجمع بين المتعة والفائدة، وأن الثقافة العلمية يمكن أن تقدم بلغة مبسطة تشجع على الاكتشاف وتغرس الفضول المعرفي. ومن هذا المنطلق ألّف وترجم عدداً من الكتب التي خاطبت الصغار بأسلوب واضح وسلس، من بينها «الدب سامر وأصدقاؤه»، وهو كتاب مترجم عن الإنجليزية يتناول بأسلوب قصصي كيفية التعامل مع داء السكري لدى الأطفال، فجمع بين الرسالة الصحية والبعد التربوي، في تجربة كانت متقدمة في مجال التثقيف الصحي الموجه للطفل.
كما أصدر كتاب «الأنهار سر الحياة» الذي قدّم فيه أهمية المياه ودورها في استمرار الحياة بأسلوب مبسط، وكتاب «زاهر والغذاء» الذي تناول أسس التغذية السليمة، فضلاً عن كتاب «الأفعى»، وكتابه «الشاعر المجدد الشيخ علي الشرقي» ضمن سلسلة المشاهير، إلى جانب أعمال أخرى مثل «الدراجة السحرية»، و«أنت والأجهزة المنزلية»، و«الأفاعي السامة» المترجم عن الإنجليزية، فضلاً عن عشرات القصص المترجمة التي سعت إلى تعريف الطفل العراقي بآداب وثقافات أخرى من خلال لغة عربية رشيقة وميسرة.
وتكشف هذه المؤلفات عن رؤية ثقافية واضحة، قوامها أن أدب الطفل لا ينبغي أن يقتصر على الحكايات الخيالية، بل يجب أن يسهم في بناء شخصية الطفل علمياً وأخلاقياً واجتماعياً. ولذلك جاءت كتبه أقرب إلى موسوعات صغيرة تقدم المعرفة في ثوب قصصي، مستفيداً من خبرته العلمية ومن إجادته للترجمة، ليجعل من الكتاب وسيلة للتثقيف قبل أن يكون وسيلة للتسلية.
وفي مرحلة لاحقة اتجه الصفار إلى الكتابة التراثية، مدفوعاً بشعور عميق بأهمية حفظ الذاكرة العراقية في مواجهة النسيان. فأصدر كتباً مثل «محلة صبابيغ الآل وما جاورها»، و«محلات بغدادية قديمة في الذاكرة»، و«تراثيون في الذاكرة»، و«رسائل الأدب الإخواني بين الصفار والساعاتي»، وهي أعمال تجاوزت التوثيق التقليدي لتقدم صورة نابضة عن الحياة الاجتماعية والثقافية في بغداد القديمة، مستحضرة الشخصيات والعادات والأمكنة التي شكلت جزءاً من هوية المدينة.
ومن خلال هذه المؤلفات، يتبين أن الصفار لم يكن مؤرخاً بالمعنى الأكاديمي، وإنما كان شاهداً على زمنه، يكتب بروح المحب الذي يخشى ضياع تفاصيل المكان. فقد أدرك أن المدن لا تحفظها الأبنية وحدها، بل تحفظها أيضاً الحكايات والذكريات وسير الناس، ولذلك جاءت كتاباته محاولة لاستعادة بغداد القديمة بما فيها من أحياء وأسواق ومجالس أدبية، وربطها بالجيل الجديد الذي لم يعش تلك الأزمنة.
ولم تغب الدراسات والبحوث عن نشاطه الثقافي، إذ نشر عدداً من المقالات والأبحاث في الصحافة العراقية، تناول فيها قضايا ثقافية وتاريخية وأدبية، مؤكداً حضوره بوصفه كاتباً متعدد الاهتمامات، يجمع بين التوثيق والتحليل، وبين اللغة الأدبية والدقة العلمية.
وقد وثقت سيرته مجموعة من المراجع المهمة، من أبرزها «معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002» للدكتور كامل سلمان الجبوري، الذي أشار إلى نشاطه في التأليف والترجمة وأدب الأطفال، كما تناولته «موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين» للأديب حميد المطبعي، التي أبرزت تنوع اهتماماته ومكانته بين أعلام الثقافة العراقية. وتعد هاتان الموسوعتان من أهم المصادر التي أرخت لمسيرته، إلى جانب ما تركه هو نفسه من مؤلفات أصبحت مرجعاً في التراث البغدادي.
وفي الثاني عشر من أيار سنة 2026، طوى الموت صفحة حافلة بالعطاء الثقافي، فرحل رفعت مرهون الصفار في بغداد، ثم ووري الثرى في مدينة النجف التي ارتبط بها وجدانياً منذ طفولته. وقد نعته الأوساط الثقافية والأدبية داخل العراق وخارجه، مستذكرةً رجلاً أفنى عمره في خدمة المعرفة، سواء عبر كتبه الموجهة للأطفال، أو مؤلفاته التي حفظت جانباً مهماً من الذاكرة الاجتماعية العراقية.
لقد ترك رفعت الصفار إرثاً يتجاوز حدود مؤلفاته المطبوعة، لأنه آمن بأن الثقافة رسالة تبدأ من الطفل ولا تنتهي عند الباحث، وأن حفظ الماضي هو أحد شروط بناء المستقبل. ومن هنا بقي اسمه حاضراً في سجل الكتّاب الذين جمعوا بين التربية والتراث، وبين البساطة والعمق، فأسهموا في إثراء المكتبة العراقية بأعمال ما زالت تحتفظ بقيمتها المعرفية والإنسانية.

قد يعجبك ايضا