صلاح بكر
يقف العالم اليوم على أعتاب مرحلة حاسمة يصاغ فيها مستقبل الوجود البشري إذ لم تعد التحذيرات العلمية مجرد أرقام وإحصاءات بل تحولت إلى نداء استغاثة عالمي يفرض شروطه على مراكز القرار الاستراتيجي. تشير التقارير الأكاديمية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى حقيقة واضحة لا مفر منها، إنقاذ البيئة مرهون بخفض الانبعاثات الكربونية إلى النصف بحلول عام 2030 والوصول بها إلى مستوى الصفر تماماً مع حلول عام 2050.
وتظهر جذور هذه الأزمة في الاعتماد الطويل على الوقود الأحفوري (من نفط وفحم وغاز) الذي أصبح بمثابة القيد الذي يمنع الأرض من التنفس، متسبباً في أكثر من 75% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، ونحو 90% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي ترفع حرارة غلافنا الجوي.
في مقابل هذا التلوث الخانق، تبرز الطاقة المتجددة كبديل حضاري وملاذ آمن، فالشمس والرياح والمياه وحرارة الأرض ليست مجرد عناصر طبيعية، بل هي مصادر طاقة تتجدد بانتظام دون أن تترك وراءها أضراراً بيئية أو ملوثات تذكر. إن الاستثمار في هذه البدائل يمثل انتقالاً جوهرياً من فكرة “استنزاف الموارد” إلى فكرة “استدامتها” حيث تصبح الطاقة متاحة ونظيفة وفي متناول الجميع، مما يحقق التوازن المفقود بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الطبيعة.
ومع ذلك، فإن هذا الحراك العالمي السريع يضع الدول التي تتأخر عن ركاب التطور في مواجهة مصائر صعبة، وفي مقدمة هذه الدول يبرز العراق، البلد الذي يمتد تاريخه في عمق الحضارة الإنسانية ولكنه بات اليوم من أكثر الدول المهددة بالتغير المناخي. إن تراجع العراق عن مواكبة هذا التحول وتأخره في فك ارتباطه بالاقتصاد المعتمد كلياً على النفط يهدده بسلسلة من النتائج الخطيرة:
۱. تهديد الأمن المائي والغذائي: يظهر الخطر بوضوح من خلال الجفاف الشديد والتصحر الزاحف الذي يبتلع ضفاف دجلة والفرات، مما يهدد بنهاية الزراعة في بلاد النهرين وتحول المساحات الخضراء إلى مناطق جافة تطرد سكانها.
۲. الانهيار الاقتصادي والاجتماعي: في عالم يتحرك بسرعة نحو الاستغناء عن النفط، سيصبح المورد الأساسي للميزانية العراقية بلا قيمة حقيقية في سوق الطاقة العالمية، مما يهدد الاستقرار الداخلي ويعجز الدولة عن تلبية احتياجات مواطنيها.
۳. الموجات الحرارية القاسية: إن موجات الحر الشديدة التي تضرب المدن العراقية صيفاً ستحول الحياة اليومية إلى معاناة حقيقية، خصوصاً في ظل شبكات كهرباء ضعيفة تعتمد على وقود تقليدي يزيد من احتباس الحرارة بدلاً من حل الأزمة.
إن العلم إذ يرسم هذا المسار الواضح، فإنه لا يترك مجالاً للتأجيل، فالتحول الأخضر ليس مجرد فكرة تجميلية بل هو ضرورة لحماية الحياة. وإذا لم يسارع العراق إلى استغلال ثرواته الطبيعية، وفي مقدمتها الإشعاع الشمسي الوفير، لإعادة بناء قطاع الطاقة لديه، فإن النتيجة ستكون بقاءه أسيراً للتغير المناخي وتراجعاً كبيراً عن مسار التقدم العالمي.