علي عبد الرضا عوض الأسدي الحلي… مسيرة في خدمة التراث والكتاب

محمد علي محيي الدين

تظل مدينة الحلة واحدة من أبرز الحواضر العراقية التي أنجبت على امتداد تاريخها علماء وأدباء ومؤرخين تركوا بصماتهم في الثقافة العربية والإسلامية، وكانت الأسر العلمية فيها خير حافظ لهذا الإرث، تتوارثه جيلاً بعد جيل. ومن بين أبناء هذه البيئة الثقافية يبرز اسم علي عبد الرضا عوض الأسدي الحلي بوصفه واحداً من الوجوه التي جمعت بين التأليف والتحقيق والنشر والعمل الثقافي، فواصل مسيرة أسرته في خدمة المعرفة، وجعل من الكتاب والتراث محوراً لنشاطه العلمي والثقافي.
ولد علي عبد الرضا عوض الأسدي في مدينة الحلة سنة 1979، وينتمي إلى أسرة مزيدية أسدية عرفت بمكانتها العلمية والأدبية، وكان لنشأته في بيت المؤرخ المعروف الحاج الدكتور عبد الرضا عوض أثر بالغ في تكوين شخصيته. فقد فتح عينيه على مكتبة عامرة بالمصادر والمخطوطات، وعاش في أجواء يغلب عليها الحوار العلمي والاهتمام بالتاريخ والأدب، فترسخ في نفسه حب القراءة والبحث منذ سنواته الأولى، وأصبح الكتاب رفيقاً دائماً له، والبحث في تراث الحلة والعراق أحد أبرز اهتماماته.

Screenshot

نال شهادة البكالوريوس في الدراسات اللغوية والقرآنية، ثم انخرط في العمل الثقافي والإعلامي، فعمل في مركز تراث الحلة التابع للعتبة العباسية المقدسة ضمن قسم الإعلام، وأسهم في توثيق التراث المحلي وإحياء نتاج أعلام المدينة. كما تولى رئاسة تحرير مجلة «رد الشمس» الصادرة عن المركز، ورئاسة تحرير مجلة «العشرة كراسي» في محافظة بابل، فكان حضوره في الصحافة الثقافية امتداداً لاهتمامه بالنشر والتوثيق والتعريف بالحركة الفكرية في العراق.
ولم يقتصر نشاطه على العمل المؤسسي، بل تولى إدارة دار الفرات للطباعة والنشر والتوزيع، التي أصبحت من المؤسسات الثقافية المعروفة في محافظة بابل، وأسهمت في نشر عشرات المؤلفات والدراسات وتحقيق المخطوطات. وقد عُرف باهتمامه برعاية المؤلفين وتشجيع الباحثين، وسعيه إلى إخراج نتاجهم العلمي في صورة تليق بقيمته، إيماناً منه بأن النشر رسالة ثقافية لا تقل أهمية عن التأليف نفسه.
وكانت شخصية والده، المؤرخ الدكتور عبد الرضا عوض، حاضرة في مختلف مراحل حياته العلمية؛ فقد كان الأب واحداً من أبرز الباحثين في تاريخ الحلة، وخلّف ما يقرب من سبعة وستين كتاباً بين التأليف والتحقيق، فأصبح مرجعاً مهماً لكل من يدرس تاريخ المدينة وتراثها. وعندما رحل عام 2021، وجد الابن نفسه أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في المحافظة على هذا الإرث العلمي، فواصل إدارة دار النشر، وحرص على استمرار المشروعات الثقافية التي أسسها والده، وفاءً لوصيته وإيماناً بأن خدمة العلم لا تتوقف برحيل أصحابها.
وإلى جانب عمله في النشر، انصرف إلى التأليف والتحقيق، فتنوعت مؤلفاته بين التاريخ والأدب والفكر وتحقيق النصوص التراثية. ومن أبرز أعماله: «معجم المحققين في الحلة»، و«مكتبة آل طاووس»، و«موسوعة مؤلفات الحليين المطبوعة»، و«أعلام المترجمين في بابل»، و«الرحلات العلمية لطلبة العلم بين مدينة الحلة ومدن العراق»، و«الديانات والملل والفرق من آدم عليه السلام إلى زمننا هذا»، فضلاً عن كتاب «أرجوزة المحبة والوفاء في تراجم أعلام الحلة الفيحاء» الذي يعكس عنايته بأعلام مدينته وتاريخها.
كما حقق عدداً من النصوص التراثية المهمة، منها «شرح حديث الحقيقة» لابن يوسف الأسدي الحلي، و«الرسالة الفخرية في معرفة النية»، و«رسالة إلى أهل الجزائر» لابن فهد الحلي، وأسهم في إعداد ونشر عدد من الأعمال التراثية التي أغنت المكتبة العراقية، إلى جانب مشاركته في إعداد الفهارس العلمية وتوثيق النتاج الثقافي، ومنها «فهرس مجلة أوراق فراتية» و«وقائع تمصير الحلة».
ولم تغب الكتابة الأدبية عن اهتمامه، فقد أصدر مجموعة من الأعمال الإبداعية، من بينها «شهقة أخيرة»، و«الحياة»، و«المضحك المبكي»، و«القدر»، و«عشق جارتي»، وكتاب «رضيت بهذا» الذي ضم خواطر وتأملات أدبية، فضلاً عن كتاب «غروب شمس من شموس الحلة الدكتور عبد الرضا عوض» الذي وثق فيه سيرة والده العلمية والإنسانية، وجعل منه شهادة وفاء لرجل أفنى حياته في خدمة تاريخ الحلة وتراثها.
وتكشف هذه الأعمال عن شخصية متعددة الاهتمامات، تجمع بين الباحث والمؤرخ والمحقق والأديب والناشر، وتؤمن بأن صيانة التراث لا تتحقق إلا بالبحث الرصين، وتحقيق النصوص، وتشجيع حركة النشر، وإتاحة المعرفة أمام القراء والباحثين.
وينتمي علي عبد الرضا عوض الأسدي إلى عدد من المؤسسات الثقافية والمهنية، فهو عضو في اتحاد الناشرين العرب، واتحاد الناشرين العراقيين، وجمعية الناشرين والكتبيين العراقيين، وجمعية الرواد الثقافية في بابل، والاتحاد العالمي للمثقفين العرب – فرع العراق، كما نشر العديد من الدراسات والمقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وشارك في معارض الكتاب والفعاليات الثقافية داخل العراق وخارجه، الأمر الذي أسهم في توسيع حضوره في الأوساط الفكرية والثقافية.
وقد حظي خلال مسيرته بعدد من شهادات التكريم والتقدير من مؤسسات ثقافية وعلمية عراقية وعربية، تثميناً لجهوده في خدمة الكتاب، والمحافظة على التراث، ودعم الباحثين والمؤلفين، وإسهامه في توثيق جانب مهم من تاريخ الحلة ورجالاتها.
وتمثل تجربة علي عبد الرضا عوض الأسدي الحلي امتداداً لجيل من المثقفين العراقيين الذين أدركوا أن حفظ الذاكرة الثقافية مسؤولية وطنية قبل أن تكون عملاً علمياً، فسعوا إلى الجمع بين التحقيق والتأليف والنشر، وإحياء التراث، ورعاية الإبداع المعاصر في آن واحد. وبهذا الجهد المتواصل استطاع أن يرسخ مكانته بين المهتمين بتاريخ الحلة وثقافتها، وأن يسهم في إثراء المكتبة العراقية بعدد من المؤلفات والتحقيقات التي تعكس إخلاصه للعلم، ووفاءه لمدينته، وحرصه على أن يبقى الكتاب منارةً تحفظ للأجيال ذاكرتها الحضارية، وتصل الماضي بالحاضر في مسيرة ثقافية لا تنقطع.

قد يعجبك ايضا