وحدة كوردستان… خط أحمر

عطا شميراني

منذ تأسيس تجربة إقليم كوردستان بعد عام 1991، ثم تثبيت مكانته الدستورية في العراق بعد عام 2003، ظل الحفاظ على وحدة الإقليم سياسياً وإدارياً أحد أهم عوامل نجاح التجربة الكردية. ورغم ما شهدته السنوات الماضية من أزمات سياسية واقتصادية وخلافات بين القوى الحزبية، فإن فكرة العودة إلى إدارتين منفصلتين بقيت خارج إطار الخيارات الواقعية، لأنها لا تمثل خلافاً سياسياً عادياً، بل تمس جوهر المشروع الكردي ومستقبله.

إن الحديث عن وجود إدارتين منفصلتين للإقليم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد طرح سياسي أو رأياً قابلاً للنقاش، بل هو بمثابة انتحار سياسي قد يتحول إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه المصالح العليا للإقليم. فالانقسام الإداري لا يعني فقط وجود حكومتين أو مؤسستين، وإنما يعني إضعاف الشرعية الدستورية، وإرباك المؤسسات، وإرسال رسالة سلبية إلى الداخل والخارج بأن التجربة الفيدرالية عاجزة عن إدارة نفسها.

لقد دفعت كوردستان ثمناً باهظاً للوصول إلى وضعها الحالي، سواء من خلال التضحيات البشرية أو النضال السياسي الطويل. ولذلك فإن أي خطاب يعيد إلى الأذهان مرحلة الانقسام الداخلي لا يخدم إلا الجهات التي لم تكن يوماً مؤمنة بنجاح التجربة الفيدرالية، والتي ما زالت ترى في الإقليم مشروعاً ينبغي إضعافه أو تقليص صلاحياته.

ومن هنا، فإن الدعوات التي تروج لفكرة انفصال الإدارتين لا يمكن فصلها عن الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف الإقليم بشكل عام. فهذه الدعوات، سواء صدرت عن أطراف داخلية أو خارجية، تتقاطع عملياً مع مشاريع تسعى إلى تقويض النظام الفيدرالي الذي أقره الدستور العراقي، وإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل على أسس مختلفة تقلص من صلاحيات الإقليم ومكتسباته.

إن أخطر ما في هذه الطروحات أنها تمنح خصوم الإقليم مادة سياسية مجانية للتشكيك بقدرته على إدارة شؤونه. فإذا كان أبناء الإقليم أنفسهم يتحدثون عن الانقسام، فمن السهل على الآخرين الادعاء بأن الفيدرالية تجربة غير قابلة للاستمرار، وأن الحل يكمن في إعادة المركزية أو تقليص السلطات الدستورية الممنوحة للإقليم.

ولا يعني رفض فكرة الإدارتين تجاهل وجود المشكلات والخلافات السياسية. فمن الطبيعي أن تشهد أي تجربة ديمقراطية اختلافات بين الأحزاب، سواء بشأن تشكيل الحكومة أو توزيع الصلاحيات أو إدارة الملفات الاقتصادية. لكن الأنظمة الديمقراطية لا تعالج خلافاتها عبر الانقسام، وإنما من خلال المؤسسات الدستورية والقانونية.

ولهذا يبقى برلمان الإقليم المكان الطبيعي لمناقشة جميع الإشكاليات القائمة. فقبة البرلمان ليست مجرد مبنى تشريعي، بل هي الإطار الذي يمنح الخلافات السياسية صفة الشرعية ويحولها من صراعات مفتوحة إلى نقاشات دستورية قابلة للحل. أما تجاوز المؤسسات واللجوء إلى خطاب الانقسام، فإنه يفتح الباب أمام أزمات يصعب احتواؤها لاحقاً.

كما أن الواقع العراقي نفسه لا يوفر أي بيئة حقيقية لمثل هذه الأفكار. فحتى العديد من القوى العراقية الحريصة على وحدة العراق الديمقراطي الفيدرالي تدرك أن استقرار الإقليم يمثل جزءاً من استقرار العراق كله. لذلك فإن فكرة انفصال الإدارتين ليست مطروحة بصورة جدية، لا داخل الإقليم ولا حتى لدى معظم الأطراف العراقية التي تؤمن بالدستور والنظام الفيدرالي.

إن وحدة الإقليم اليوم ليست مطلباً حزبياً، وإنما ضرورة وطنية واستراتيجية. فالتحديات الاقتصادية، والخلافات مع الحكومة الاتحادية، والظروف الإقليمية المضطربة، جميعها تتطلب خطاباً موحداً ومؤسسات قوية، لا مزيداً من الانقسامات. كما أن المستثمرين والمجتمع الدولي ينظرون إلى الاستقرار السياسي باعتباره شرطاً أساسياً لاستمرار التعاون مع الإقليم، وأي حديث عن انقسام إداري ينعكس سلباً على الثقة الاقتصادية والسياسية.

ولا يمكن تجاهل البعد الشعبي في هذه القضية. فالمواطن الكردي الذي يعاني من تأخر الرواتب والأزمات المعيشية لا ينتظر من القوى السياسية أن تعود إلى خلافات الماضي، بل ينتظر حلولاً واقعية تعزز الخدمات وفرص العمل والاستقرار. لذلك فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون لتشكيل حكومة قوية، وتفعيل البرلمان، وإنجاز الإصلاحات، بدلاً من إعادة إنتاج صراعات تجاوزها الزمن.

إن الحفاظ على وحدة الإقليم لا يعني إلغاء التعددية السياسية، بل على العكس، فالتعددية تصبح أكثر قوة عندما تُمارس داخل مؤسسات موحدة تحترم القانون والدستور. أما تحويل الخلافات السياسية إلى مشاريع انقسام، فإنه يضعف الجميع دون استثناء، ويمنح خصوم التجربة الكردية فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه طوال العقود الماضية.

ختاماً، إن وحدة كوردستان ليست شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، ولا ورقة تفاوض تُستخدم في لحظات الخلاف، بل هي خط أحمر يمس حاضر الإقليم ومستقبله. وكل اختلاف سياسي يمكن أن يجد طريقه إلى الحوار والدستور والمؤسسات، أما العبث بوحدة الإقليم فهو عبث بمصير شعبٍ قدّم من التضحيات ما يكفي ليُدرك أن الانقسام لا يصنع وطناً، وأن قوة كوردستان كانت وستبقى في وحدة مؤسساتها، ووحدة قرارها، ووحدة إرادة أبنائها.

قد يعجبك ايضا