الوضع الدستوري والدولي لكيان إقليم كردستان: قراءة قانونية وسياسية

الباحث الحقوقي رنج باراوي

إن نشوء الكيان السياسي والدستوري لإقليم كردستان في إطار الدولة العراقية لم يكن نتاج اتفاق مؤقت على طاولة المفاوضات أو مكرمة سياسية، بل هو ثمرة تاريخ طويل من النضال والتضحيات والإدارة الذاتية الواقعية التي تُرجمت لاحقاً في الدستور العراقي الدائم لعام ٢٠٠٥ إلى لغة قانونية ودستورية رصينة. يمتلك هذا الكيان من الناحية القانونية مجموعة من الأسس المتينة التي تمنحه حصانة كاملة ضد أي محاولة لتقويضه أو إلغائه، سواء على الصعيد الداخلي في العراق أو على المستوى الإقليمي.
من منظور القانون الدستوري، لم يقم الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥ بإنشاء كيان إقليم كردستان، بل “اعترف به”. وقد تجسد ذلك بوضوح في المادة (١١٧/ البند أولاً) التي تنص على: “يقر هذا الدستور عند نفاذه إقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً”. هذا النص يمثل اعترافاً دستورياً سامياً بالوجود الواقعي للإقليم. وفي الوقت ذاته، منح الدستور في المادة (١٢١) الإقليم سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة، بحيث أنه في حال حدوث أي تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم (خارج نطاق الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية)، فإن الأولوية والعلوية تكون لقوانين إقليم كردستان. وتعد هذه الخصوصية نادرة من نوعها، مما يجعل مكانة الإقليم في النظام الاتحادي العراقي أقوى بكثير مقارنة بالنماذج الاتحادية التقليدية الأخرى في العالم.
إحدى المحطات القانونية المهمة التي غالباً ما يتم إغفالها هي مسألة إضفاء الشرعية على المرحلة التي مر بها إقليم كردستان قبل سقوط النظام السابق. فبعد انتفاضة عام ١٩٩١ وانتخاب الدورة الأولى لبرلمان كردستان في عام ١٩٩٢، أدار الإقليم مؤسساته بشكل “أمر واقع” (De facto) وأصدر مئات القوانين. وعندما أعيد تأسيس العراق الجديد على أساس دستور عام ٢٠٠٥، كان السؤال المطروح هو: ما هو مصير تلك القوانين؟ هنا تجلت حكمة قانونية بالغة في المادة (١٤١) من الدستور، والتي أضفت الشرعية على جميع القوانين والقرارات والأحكام القضائية والعقود التي صدرت وأُبرمت من قبل مؤسسات الإقليم منذ عام ١٩٩٢. وهذا يعني أن الدولة العراقية قد اعترفت بالسيادة القانونية للإقليم حتى قبل نشوء العراق الجديد نفسه.
من الناحية الدبلوماسية والدولية، اتخذ التعامل مع إقليم كردستان نمطاً خاصاً يُعرف في علم العلاقات الدولية بـ “دبلوماسية الأقاليم” أو (Paradiplomacy). إن إقليم كردستان ليس مجرد وحدة إدارية داخل العراق، بل هو فاعل شبه دولتي (Sub-state actor) يمتلك ثقلاً كبيراً في معادلات الشرق الأوسط. إن افتتاح عشرات القنصليات العامة وممثليات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين في أربيل، إلى جانب وجود دائرة العلاقات الخارجية وممثليات حكومة الإقليم في العواصم العالمية المهمة، لهو خير دليل على أن المجتمع الدولي يتعامل بشكل خاص ومباشر مع كيان الإقليم، كشريك استراتيجي وليس كمجرد جزء من العراق.
هذه المكانة الدولية لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاج الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي الذي تمكنت حكومات الإقليم من الحفاظ عليه بعد عام ٢٠٠٣. ففي الوقت الذي كانت فيه المناطق الأخرى من العراق تغرق في أتون الحرب المذهبية والطائفية، كان إقليم كردستان ملاذاً آمناً للتنمية والاستثمار. ولاحقاً، في إبان الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، غدت قوات البيشمركة درعاً لحماية أمن المنطقة والعالم. هذا الدور دفع الدول الكبرى إلى تقديم مساعدات عسكرية ولوجستية ومالية مباشرة للإقليم، وهو ما يمثل نوعاً من الاعتراف العملي (De facto recognition) من قبل المجتمع الدولي بشرعية وضرورة بقاء كيان الإقليم.
وهنا نصل إلى نقطة حاسمة بخصوص الأقاويل والادعاءات التي تثار بين الحين والآخر حول إلغاء إقليم كردستان أو تحجيمه. هل يمكن إلغاء إقليم كردستان من الناحية القانونية؟ الجواب بالتأكيد هو (لا). يُصنف الدستور العراقي من حيث التبويب بأنه دستور “جامد تماماً” (Rigid Constitution)، وتكتنف عملية تعديله صعوبة بالغة. والأهم من ذلك، وضعت المادة (١٢٦) من الدستور خصيصاً كدرع لحماية كيان الإقليم؛ حيث اشترط البند الرابع من هذه المادة شرطاً تعجيزياً يقضي بعدم تغيير أي نص في الدستور إذا رفض ذلك ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر. وهذا هو الحق الذي يطلق عليه رجال القانون اسم “الفيتو الكردي”، لأن محافظات الإقليم يمكنها رفض أي تعديل يشكل خطراً على كيانها. كما يؤكد البند ذاته على عدم جواز إجراء أي تعديل يكون من شأنه انتقاص سلطات الإقليم التي لا تقع ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة برلمان كردستان وأغلبية سكان الإقليم عبر استفتاء عام.

وفي الختام، يمكن القول إن كيان إقليم كردستان هو بنية دستورية راسخة الجذور، ولا يمكن إلغاؤه بأي نوع من القرارات السياسية، أو الشعارات الانتخابية، أو صراعات الأطراف المناوئة. إن بقاء هذا الكيان مضمون من الناحية القانونية، ومن المستحيل المساس به أو إنهاؤه ضمن الإجراءات الدستورية. والسبيل الوحيد الذي قد يشكل خطراً على هذا الكيان هو اللجوء إلى خيارات خارجة عن القانون والأعراف الدولية، مثل استخدام القوة العسكرية غير الدستورية، وهو أمر يترتب عليه ثمن باهظ في الساحة الدولية اليوم ويقلب معادلات الشرق الأوسط رأساً على عقب. إن إقليم كردستان، مثلما حمى نفسه وسط العواصف في الماضي، قد ضمن لنفسه مظلة دستورية متينة لمستقبله.

المصادر والهوامش:
١. دستور جمهورية العراق الدائم لعام ٢٠٠٥، ينظر المواد (١١٧، ١٢١، ١٢٦، و١٤١).
٢. د. حميد حنون خالد، القانون الدستوري وتطور النظام الدستوري في العراق، الطبعة الثالثة، مكتبة سنحاريب، بغداد، ٢٠١٣، ص. ٢٤٥-٢٥٠. (خاص بتحليل الدستور الجامد وآلية التعديل).
٣. د. منذر الشاوي، القانون الدستوري: النظرية الدستورية، المركز العربي للنشر، عمان، ٢٠٠٧.
٤. د. فاروق عبد الله محمد، الفدرالية في العراق: دراسة دستورية وسياسية، مؤسسة موكرياني للطباعة والنشر، أربيل، ٢٠٠٨.
٥. د. سعيد علوي، الدبلوماسية الموازية للإقليم: دراسة في العلاقات الدولية لإقليم كوردستان، مجلة العلوم السياسية، جامعة صلاح الدين، العدد ١٢، ٢٠١٩.
٦. ستيفان كراسنر (Stephen Krasner)، السيادة: النفاق المنظم (Sovereignty: Organized Hypocrisy)، برينستون، ١٩٩٩. (لفهم مفهوم دبلوماسية الأقاليم وتصرف شبه الدولة في النظام الدولي).

قد يعجبك ايضا