نوري جاسم ..
كربلاء مدرسةٌ خالدة في صناعة الإنسان وهي لم تكن واقعة وحدثًا عابرًا في التاريخ الإسلامي، بل كانت نقطة تحول كبرى في مسيرة الوعي الإنساني والروحي، إذ تجسدت فيها أسمى معاني الإيمان، والحرية، والتضحية، والصبر، والثبات على المبادئ. ومنذ ذلك اليوم، بقي الإمام الحسين عليه السلام رمزًا خالدًا لكل الأحرار، ومنارةً يهتدي بها السالكون إلى الله، والعاملون من أجل إصلاح الإنسان والمجتمع. وفي هذا السياق، تنظر الطريقة العلية القادرية الكسنزانية إلى الإمام الحسين عليه السلام بوصفه إمامًا من أئمة الهدى، وسيدًا من سادات أهل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ونموذجًا متكاملًا في العبودية لله، والإخلاص، والجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس قبل كل شيء. وإن التصوف الكسنزاني لا يقرأ كربلاء من زاوية الحزن وحدها، ولا يختزلها في بعدها التاريخي، وإنما يتعامل معها باعتبارها مدرسةً روحيةً متجددة، تُعلِّم الإنسان كيف ينتصر على شهواته، ويطهر قلبه، ويثبت على الحق مهما اشتدت المحن. فكما واجه الإمام الحسين عليه السلام الظلم بثبات ويقين، فإن المريد في الطريق الكسنزاني القادري يُربَّى على مقاومة ظلم النفس، ومجاهدة الهوى، والتحلي بالأخلاق المحمدية. ومن هنا، فإن العلاقة بين الإمام الحسين عليه السلام والطريقة الكسنزانية ليست علاقة عاطفة مجردة، بل علاقة اقتداء وسلوك. فمحبة أهل البيت عليهم السلام أصلٌ راسخ في التربية الروحية الكسنزانية، ويُنظر إليهم على أنهم منارات الهداية، ومصابيح الرحمة، وحملة القيم الإلهية التي جاء بها النبي سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ولقد جسدت كربلاء معاني الفداء والإيثار والإخلاص، وهي المعاني نفسها التي تؤكد عليها التربية الروحية الكسنزانية؛ فالمريد يتعلم أن يقدِّم رضا الله على رغبات النفس، وأن يجعل الصدق والإحسان والتواضع والمحبة منهجًا لحياته. ولذلك فإن إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام لا يكون بالمشاعر وحدها، وإنما بتحويل مبادئه إلى سلوك يومي، وأخلاق عملية، وإصلاح دائم للنفس والمجتمع. كما تؤمن الطريقة العلية القادرية الكسنزانية بأن رسالة الإمام الحسين رسالة جامعة، لا تدعو إلى الفرقة، بل إلى وحدة المسلمين على أساس المحبة والعدل والرحمة. فالحسين عليه السلام لم يكن رمزًا لطائفة دون أخرى، وإنما أصبح رمزًا عالميًا لكل من ينشد الكرامة والحرية والوفاء للمبدأ. وفي الفكر الكسنزاني، تُعد نهضة الإمام الحسين عليه السلام مصدرًا دائمًا للإلهام في نشر السلام، وإطفاء الفتن، ومحاربة التطرف والكراهية، لأن جوهر التصوف هو بناء الإنسان، وتطهير القلب، وإحياء معاني الرحمة التي بعث الله بها نبيه الكريم. واليوم، تواصل الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، بقيادة السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدست اسراره، تأكيدها على أن أعظم وفاء للإمام الحسين عليه السلام هو صناعة الإنسان الصالح، ونشر ثقافة المحبة، وخدمة المجتمع، والدعوة إلى الاعتدال، وبناء جسور الأخوة بين الناس جميعًا، بعيدًا عن التعصب والانقسام. وإن كربلاء لم تكن نهاية طريق، بل بداية رسالة خالدة. ورسالة الإمام الحسين عليه السلام لا تزال تنبض في كل قلب عرف الله، وأحب الخير، ونصر المظلوم، وسعى إلى إصلاح نفسه ومجتمعه. وهكذا تلتقي قيم عاشوراء مع مبادئ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية في مشروع روحي وإنساني غايته بناء الإنسان، وإحياء القلوب، وإشاعة المحبة والسلام، ليبقى نور الحسين عليه السلام مشعًا في الأرواح، ومنارًا لكل السالكين إلى الله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..