أ.د. خليل مصطفى عثمان
قراءة في أبعاد التدمير الأيديولوجي وإسقاطاته على الساحة الكوردستانية
في المشهد السياسي والإعلامي المعاصر، يبرز مفهوم “التخريب النفسي” أو التدمير الأيديولوجي للمجتمعات كواحد من أخطر الأساليب التي تُستخدم لتفكيك الدول والكيانات السياسية من الداخل دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. هذه النظرية، التي كشف عنها ضابط المخابرات السوفيتي المنشق يوري بزمينوف في ثمانينيات القرن الماضي، تشرح كيف يمكن لقوى أو حركات معينة أن تغير إدراك الشعوب للواقع لدرجة تجعلها غير قادرة على الدفاع عن مصالحها أو الحفاظ على كيانها. وعند إسقاط هذه النظرية على الواقع السياسي في إقليم كوردستان، نجد أن الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تتبناه حركة الجيل الجديد تجاه أجيال كوردستان والشباب يمثل نموذجاً حياً لتطبيق هذه المراحل الأربعة، بقصد أو غير قصد، عبر بث الإحباط وتفريغ الجيل الجديد من قيم التمسك بالمنجزات الوطنية والقومية.
تبدأ هذه العملية، وفقاً لبزمينوف، بمرحلة “إحباط المعنويات وزعزعة القيم” والتي تستغرق عادة من خمس عشرة إلى عشرين سنة، وهي المدة الكافية لتربية جيل كامل وتغيير ثوابته الأخلاقية والوطنية. وفي سياق إقليم كوردستان، يتجلى هذا الأمر في التركيز المفرط والشبه كلي لمنصات وقنوات حركة الجيل الجديد على السلبيات، وتصوير الإقليم ككيان فاشل ومظلم لا أمل في إصلاحه. هذا الضخ الإعلامي المستمر يهدف إلى تهوين المكتسبات التاريخية والتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الكوردي لنيل حريته وحقوقه الدستورية، مما يولد لدى الشباب شعوراً بالاغتراب واليأس داخل وطنهم. والنتيجة المباشرة لهذه المرحلة هي تفريغ عقول الشباب من قيم الاعتزاز بالهوية الوطنية، وزرع فكرة أن الحل الوحيد للمستقبل يكمن في الهجرة والهروب، وهو ما يفرغ المجتمع من طاقاته الحية وييجعله فريسة سهلة للتبعية والهوان السياسي.
تنتقل الاستراتيجية بعد ذلك إلى المرحلة الثانية وهي “زعزعة الاستقرار”، والتي تركز على ضرب البنية التحتية والمؤسساتية للمجتمع خلال فترة وجيزة. وهنا تتبنى الحركة خطاباً شعبوياً يحرض بشكل مستمر ضد المؤسسات الشرعية والدستورية للإقليم، كالبرلمان والحكومة، ليس من باب المعارضة الإصلاحية البناءة التي تهدف إلى تقويم الأداء، بل من خلال المطالبة العلنية بإضعاف كيان الإقليم السياسي والدستوري وتجريده من صلاحياته لصالح المركز في بغداد. هذا السلوك يساهم في تفكيك الروابط السياسية وخلق حالة من الاستقطاب الحاد في الشارع الكوردي، حيث يُصوَّر التخلي عن الخصوصية القومية والحكم الذاتي الفيدرالي على أنه المنقذ الاقتصادي والوحيد للمواطن، مما يهدد الاستقرار السيادي والدستوري الذي تحقق عبر عقود من النضال والدماء.
ومع تآكل الثقة في المؤسسات والرمزية الوطنية، تدخل الدورة في مرحلتها الثالثة وهي “الأزمة”، حيث يتم استغلال وافتعال الأزمات المعيشية والاقتصادية كأزمة الرواتب ونقص الخدمات والبطالة، وهي أزمات حقيقية ومزمنة بالفعل وتتطلب معالجات جادة، لكن الحركة لا تسعى لتقديم بدائل وحلول واقعية لها، بل توظفها كأدوات لشحن الشارع عاطفياً ودفع الشباب نحو الصدام والفوضى وشل مفاصل الدولة. هذا التضخيم الممنهج للأزمات يخلق حالة من الذعر الجماعي والانسداد السياسي التام، ويجعل المجتمع يمر بمرحلة صدمة وتهيئة نفسية قبول أي مخرج بديل، حتى لو كان على حساب حريته وخصوصيته السياسية ووجوده القومي الكوردستاني.
تصل العملية أخيراً إلى مرحلة “التطبيع وإعادة الاستقرار”، وهي النتيجة الحتمية لانهيار المناعة الوطنية للمجتمع؛ فبعد أن يتم إنهاك الشباب بالإحباط ودفع الإقليم نحو حافة الانهيار الشامل، يصبح الشارع مستعداً لتقبل واقع سياسي جديد تُفرض فيه السيطرة الكاملة للمركز أو لقوى خارجية وتُذاب فيه الخصوصية الدستورية والقومية لإقليم كوردستان تحت شعار “استعادة النظام والاستقرار البديل”. وفي هذه المرحلة يصبح الوضع التبعي الجديد هو “الطبيعي” في نظر جيل تم تفريغه مسبقاً من قيم الاعتزاز بهويته الكوردستانية وحق تقرير مصيره. إن ما تقوم به حركة الجيل الجديد يمثل خطراً حقيقياً يتجاوز حدود المعارضة السياسية التقليدية ليصب في خانة “الشعبوية التفكيكية”، حيث يُراد للشباب أن يتخلوا طواعية عن كيانهم الوطني مقابل وعود واهية بالرفاهية المادية الآنية.
أمام هذا التحدي الوجودي، تقع على عاتق النخبة المثقفة، من أكاديميين، وكتاب، ومفكرين، وإعلاميين واعين، مسؤولية تاريخية وطنية تتطلب التحرك الفوري والتصدي الحازم لهذه الأفكار الهدامة والمشوهة للوعي الجماعي. إن دور المثقف اليوم لا ينبغي أن يقتصر على المراقبة أو الانكفاء، بل يجب أن يكون خط الدفاع الأول عبر تفكيك هذا الخطاب الشعبوي السوداوي، وتعريته أمام الرأي العام، وإعادة بناء سردية وطنية ملهمة تعزز قيم الانتماء والفخر بالهوية الكوردستانية وتفتح آفاق الأمل والعمل البناء لدى الشباب. إن تحصين عقول الأجيال القادمة يتطلب صناعة وعي مجتمعي وثقافي مضاد يوازن بين نقد الأخطاء الحكومية والمطالبة بالإصلاح، وبين صون المكتسبات القومية العليا التي لا تقبل المساومة أو التفريط تحت أي ذريعة معيشية أو سياسية عابرة.
ولأن الأمن القومي وحماية النسيج المجتمعي لا يمكن تركهما لضمائر الأفراد وحدهم، فإن الضرورة الملحة تقتضي صياغة وتشريع قوانين صارمة تحرّم وتجرّم هذه الأعمال التخريبية التي تستهدف الهوية والأمن والاستقرار الداخلي. يجب على البرلمان والمؤسسات التشريعية في إقليم كوردستان سن تشريعات قانونية واضحة تمنع استغلال المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية لبث الإحباط الجماعي الممنهج، أو التحريض على تقويض الكيان الدستوري للإقليم، أو الترويج للتخلي عن الحقوق القومية المشروعة المصونة في الدستور. إن مثل هذه القوانين لا تهدف إلى تقييد حرية التعبير أو قمع المعارضة السياسية الحقيقية التي تشكل ركيزة النظام الديمقراطي، بل تضع خطوطاً حمراء قانونية واضحة تفصل بين النقد السياسي البناء وبين الاستهداف الأيديولوجي المنظم لمناعة المجتمع، وبما يضمن حماية عقول الشباب وصون الأمن القومي لكيان إقليم كوردستان من التآكل والانهيار التدريجي.