كربلاء… ثورة الخلود

صلاح بكر

​في كربلاء لم يكن الغسق لوناً عادياً، بل كان دماً مهدوراً يصبغ وجنة السماء. هناك حيث غصّت الحناجر بالشكوى ولم تجبها إلا رياح السموم، وقف الحسين بن علي عليه السلام شامخاً كالجبل الأشم، وحيداً إلا من يقينه. تلوح في الأفق الخيام المخضبة بالرعب، ويسري في المدى أنين أطفالٍ يفتك العطش الشديد بمهجهم الصغيرة، فيلتصق لسان الرضيع بلهواته جفافاً، وتلوذ به الحوراء زينب بقلبٍ صدّعته النكبات قبل أن تصدعه السيوف.

​كيف لعينٍ ألا تبكي دماً وهي تبصر السبط الشهيد يجمع أشلاء أقمار بني هاشم؟ ينحني على جسدِ ابنه تارة، ويلملم ما تبقّى من كفيّ أخيه العباس تارة أخرى. في تلك اللحظات، كان الوجع الإنساني يتكثف في قلب الحسين، حتى غدت كل رقعة من رمال الطف حكاية دمعة لا تجف، وغصة في حلق التاريخ تدمي القلوب الميتة وتوقظ الوجدان المكلوم. لقد سُحق ذلك الجسد الطاهر بحوافر الخيول، وطارت الروح إلى بارئها تشكو غربة الحق وعطش السنين.

​لكن من قلب هذا الانكسار المرير، تولد أعظم ملاحم الإنسانية عزماً وكبرياءً. إن الحسين لم يُهزم في كربلاء، بل أعاد تعريف الحياة والموت. لقد ذبحوا جسده، لكنهم خلّدوا نهجه، لتتحول دموع الحزن في عيون الأحرار إلى جمرٍ يوقد شعلة الرفض لكل ظالم.

​إن تضحية آل البيت لم تكن مجرد مأساةٍ عابرة في سجلات الزمن، بل هي الصرخة الوجودية الأعمق بأن الكرامة الإنسانية أغلى من البقاء الذليل. لقد صهر الحسين بدمه قيود الخوف، وترك للبشرية درساً خالداً… أن الجسد قد يفنى، والخيام قد تحترق، والماء قد يُمنع، ولكن الفكرة العادلة لا تموت أبداً. ستبقى كربلاء منارة ممتدة عبر العصور، تعلمنا أنه مهما ادلهمّ ظلام الباطل وتعملقت عروش الطغاة، فإن دماً طاهراً واحداً سُفك في سبيل الحق والعدل والسلام، كفيلٌ بأن يزلزل تلك العروش ويشرق بالحرية إلى أبد الآبدين.

قد يعجبك ايضا