صك الغفران في شارع الرشيد

سرحان محمد علي الكاكئي

رائحة الحبر القديم المخلوط برطوبة جدران شقق بغداد العتيقة كانت تشكل الوعي الكامل لـ “يوسف” طوال سنوات شبابه الأولى، حيث لم تكن القراءة مجرد تزجية لوقت فراغه العابر، بل كانت رئة إضافية يتنفس بها وسط زحام الحياة وضيق العيش. الغرق في السطور كان ملاذه الوحيد؛ يستعير الدواوين والروايات من رفاق المقاهي، يلتهم صفحاتها بنهم تحت ضوء شمعة خافتة، ثم يعيدها إلى أصحابها بقلب مثقل بغيرة صامتة تجاه كل من يمتلك جداراً تصطف فوقه المجلدات، في وقت كان فيه عاجزاً عن اقتناء كتيب صغير بسبب قسوة العوز وجفاف الجيب.
هذا الحرمان المزمن تحول بمرور الأيام إلى جوع عاطفي وفكري لم تطق روحه المندفعة دفعه.
إعلان إقامة معرض بغداد الدولي للكتاب غيّر إيقاع أيامه الرتيبة كلياً، إذ نزل عليه الخبر كأنه دعوة لعيد ديني طال انتظاره، فهرول نحو قاعات العرض بخطوات محمومة تسبق أنفاسه، متجولاً بين الأجنحة ومبهوراً بآلاف العناوين التي تلمع تحت الأضواء الكاشفة كأنها سبائك من ذهب خالص. مرر أنامله المرتجفة فوق الأغلفة المصقولة، متنشقاً عبير الورق الطازج، وشاعراً بأن كل مؤلف يقف أمامه يمثل كنزاً معرفياً يستحق أن تبذل في سبيله الأرواح.
الانبهار البصري سرعان ما ارتطم بالجدار الصلب لواقعه المادي المرير.
حين تذكر يوسف أن المبالغ الزهيدة في جيبه لا تكفي لشراء ربع كتاب واحد من هذه الثروة المعروضة، انطفأت بهجة عينيه، وتسلل إلى صدره هاجس مظلم وشرس اقتحم حصونه الأخلاقية ببطء؛ فكرة مجنونة همس بها عقله الباطن وهو يقف أمام جناح الأدب الروسي: “هذه الكلمات كُتبت لتقرأ، وحقك فيها أسمى من مجرد ورقة نقدية يملكها تاجر”. استسلم يوسف لهذا المنطق الملتوي، وحسم أمره بجرأة لم يعهدها في نفسه من قبل.
تحركت يداه بخفة مدربة تحت تأثير هوس المعرفة، فاختلس عدة مجلدات سميكة وأخفاها بعناية بين ثنايا معطفه الصوفي الطويل.
اتجه نحو البوابات الخارجية بخطوات متزنة تخفي خلفها دقات قلب تكاد تخترق ضلوعه، وظن أن الباحة الخارجية للمعرض أعلنت حريته، لكن يداً خشنة هبطت على كتفه بقسوة، وجاء صوت موظف الأمن حاداً ومباغتاً يطالبه بـ “وصل الشراء” الخاص بتلك البروزات الواضحة في ملابسه. تجمدت الدماء في عروق يوسف، وتلعثمت حروفه في حنجرته اليابسة، وعجز عن نسج أكذوبة واحدة تنجيه من المأزق الخانق.
استدعاء الشرطي القريب كان مسألة ثوانٍ معدودات، تحول بعدها يوسف إلى سجين يمشي مطأطأ الرأس وسط نظرات الفضول والازدراء من العابرين.
داخل مركز الشرطة، كان الهواء ثقيلاً برائحة التبغ والملفات القديمة، وهي المرة الأولى التي يطأ فيها يوسف مثل هذا المكان المرعب في حياته، وجلس على مقعد خشبي بارد يضم الكتب المسروقة إلى صدره كأنها طفله الشرعي، بينما كان جسده يرتجف بوضوح تحت وطأة الخوف والفضيحة التي بدأت تحاصر مستقبله. أدخل في نهاية المطاف إلى غرفة ضابط التحقيق، وهو رجل خمسيني ذو شارب كثيف، وعينين حادتين خبرتا وجوه اللصوص والمجرمين لسنوات طويلة.
الضابط تطلع إلى الشاب الشاحب أمامه، ثم نظر إلى الأحراز الملقاة على الطاولة — مجلدات الفلسفة والتاريخ — وسأله بنبرة حازمة تخلو من أي مرونة: “لماذا أقدمت على سرقة هذه الأشياء بالذات؟”.
خفض يوسف ناظريه نحو الأرض، وشعر بالخجل يلتهم ملامحه، قبل أن يجيب بصوت خافت متهدج: “والله يا سيدي، ما حركني نحو هذا الفعل الخاطئ سوى عشق جارف للقراءة، حُرمت منه طويلاً بسبب فقري”. الصمت ساد أرجاء الغرفة لبضع لحظات، وارتسمت على وجه الضابط علامات ذهول واضحة، إذ اعتاد التعامل مع سرقات المال والذهب والأجهزة الثمينة، ولم يصادف يوماً متسللاً يخاطر بحريته لأجل سطور مطبوعة على ورق باهت.
الضابط اعتدل في جلسته، متفحصاً ملامح الشاب، وسأله بفضول ممزوج بالاستنكار: “الناس يسرقون ما يطعمهم أو يغنيهم، وأنت تخاطر بمستقبلك من أجل بضع ورقات؟”.
رفع يوسف رأسه بثبات مفاجئ، ونظر في عيني المحقق قائلاً بجرأة أدبية ولدت من رحم المأساة: “يا سيدي، أنا لم أمد يدي إلى حبر أو ورق يباع ويشترى، بل سرقت عقولاً، وثقافات، وآداباً عجزت عن بلوغها بالطرق المشروعة، سرقت علماً أريد أن يغير وعيي بالدنيا”. الكلمات نزلت على مسامع الضابط كصدمة كهربائية، فتغيرت تقاطيع وجهه الصارمة، وحلت مكان القسوة نظرة من الشفقة العميقة والاحترام المباغت لشاب يدفع عمره ثمناً لكتاب.
أغلق الضابط ملف التحقيق ببطء، وتنهد بحسرة نابعة من خوفه على مآلات البلاد، ثم ابتسم بابتسامة دافئة أعادت الطمأنينة لروح يوسف.
أشار بيده نحو الباب الخارجي وقال بنبرة حملت الكثير من الأبوة والغفران البشري: “اجمع كتبك واذهب إلى بيتك فوراً… أنت حر طليق من كل تهمة”. ثم أردف وهو يراقبه يلملم مجلداته بذهول: “ليت كل شباب هذا الوطن يملكون ذات الشغف لسرقة العلم والمعرفة بدل سرقة مقدرات الناس، اذهب واقرأ، لكن لا تنل نور العلم بظلمة الجريمة”.
خرج يوسف إلى شوارع بغداد تحت رذاذ المطر الخفيف، حاملاً تحت ذراعه الكتب التي كادت تودي به إلى السجن، لكنه حمل في أعماق وجدانه درساً حفرت تفاصيله في ذاكرته طوال حياته؛ أدرك أن المعرفة كنز عظيم ومقدس، والكنوز المقدسة لا تنال بالخديعة والسرقة، بل بالصبر، والسعي الشريف، والكرامة التي يجب ألا تراق قطرة واحدة منها لأجل أي وعاء معرفي في هذا العالم.

قد يعجبك ايضا