نبيل عبد الأمير الربيعي
حين نتأمل مسيرة المثقفين والإعلاميين الذين نذروا أقلامهم للدفاع عن الإنسان وقضاياه العادلة، فإننا نقف أمام نماذج مضيئة جعلت من الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة أو وسيلة للتعبير. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم الإعلامي والكاتب الإيزيدي (حسو هورمي)، الذي استطاع عبر سنوات طويلة من العمل الثقافي والإعلامي أن يكون صوتاً معبراً عن ذاكرة شعبه، وحارساً أميناً لتراثه وتاريخه، ومدافعاً عن القيم الإنسانية التي تتجاوز حدود الانتماءات الضيقة لتلامس جوهر الإنسان أينما كان.
ولد حسو هورمي عام 1968 في مدينة دهوك، تلك المدينة التي شكلت عبر تاريخها ملتقى للثقافات والأديان والقوميات، وفضاءً للتعايش والتنوع الإنساني. وفي هذا المناخ المتعدد تشكل وعيه الثقافي المبكر، فكان قريباً من قضايا مجتمعه، متابعاً للتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، ومدركاً لحجم التحديات التي واجهت المكونات العراقية المختلفة، ولا سيما المكون الإيزيدي الذي عانى الكثير من المآسي والاضطهادات عبر التاريخ.
ومنذ بداياته الفكرية والإعلامية، أدرك هورمي أن المعرفة هي السلاح الأهم في مواجهة الجهل والتعصب، وأن بناء الجسور بين المكونات المختلفة يبدأ من التعريف الصحيح بالآخر واحترام خصوصيته الثقافية والدينية. لذلك اتجه إلى البحث والكتابة والتوثيق، واضعاً نصب عينيه مهمة التعريف بالديانة الإيزيدية وتراثها العريق، وإزالة الكثير من الالتباسات والأحكام المسبقة التي أحاطت بها عبر الأزمنة.
لقد كرّس جانباً مهماً من جهده الفكري لتقديم صورة علمية وموضوعية عن المجتمع الإيزيدي، فجاء كتابه (الإيزيدياتي في مئة سؤال وجواب) محاولة جادة للإجابة عن الأسئلة التي تدور في أذهان القراء والباحثين حول العقيدة الإيزيدية وتاريخها وعاداتها وتقاليدها. وتميز هذا العمل بلغة مبسطة ومنهج توثيقي يسعى إلى تقريب المعرفة من القارئ وإزالة الغموض الذي أحاط بهذا المكون العراقي الأصيل.
كما واصل جهوده البحثية من خلال كتابه (محاضرات في الشأن الإيزيدي) الذي تناول فيه العديد من القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية المرتبطة بالمجتمع الإيزيدي، مقدماً رؤى تسهم في فهم أعمق لواقع هذا المكون ودوره في التاريخ العراقي.

ولأن المثقف الحقيقي لا ينفصل عن قضايا وطنه الكبرى، فقد اهتم حسو هورمي بالشأن الوطني العام، وناقش في بعض أعماله قضايا سياسية ودستورية مهمة، من بينها أوضاع كركوك والمناطق المتنازع عليها، متناولاً هذه الملفات من منظور وطني يحرص على تعزيز قيم العدالة والتعايش والشراكة بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.
ولعل من أبرز الجوانب في تجربة حسو هورمي اهتمامه بتوثيق الشخصيات الإيزيدية التي كان لها أثر في الحياة العامة، ومن ذلك كتابه (لمحات من حياة الأمير تحسين سعيد علي بك) الذي تناول فيه سيرة الأمير الراحل، أحد أبرز الرموز الدينية والاجتماعية في المجتمع الإيزيدي المعاصر. وقد سعى من خلال هذا العمل إلى حفظ جانب مهم من الذاكرة الإيزيدية وتقديمه للأجيال الجديدة بوصفه جزءاً من تاريخ العراق الحديث.
غير أن الحدث الأكثر تأثيراً في مسيرته الفكرية والإنسانية كان بلا شك جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار والمناطق المحيطة بها على يد تنظيم داعش الإرهابي عام 2014. فقد شكلت تلك المأساة نقطة تحول في اهتماماته البحثية والتوثيقية، ودفعته إلى تكثيف جهوده من أجل تسجيل تفاصيل الكارثة الإنسانية التي هزت ضمير العالم.
ومن هنا جاءت سلسلة من المؤلفات المهمة التي أصبحت جزءاً من أرشيف المأساة الإيزيدية، ومنها (الفرمان الأخير: داعش والإبادة الجماعية للإيزيديين) و(الطفولة المفقودة: داعش والإبادة الجماعية للإيزيديين) و(عن جحيم الدولة الإسلامية: داعش والإبادة الجماعية للإيزيديين). وفي هذه الأعمال لم يكن الكاتب مجرد مؤرخ للأحداث، بل شاهداً على الألم الإنساني، وناطقاً باسم الضحايا الذين حاول الإرهاب أن يسلبهم حقهم في الحياة والكرامة.
لقد وثق هورمي قصص النساء المختطفات، والأطفال الذين حُرموا من طفولتهم، والعائلات التي شردتها المأساة، والآلاف الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام أكبر كارثة إنسانية شهدها العراق في العصر الحديث. وكان هدفه أن تبقى هذه الجرائم حاضرة في الذاكرة الإنسانية، لا بدافع الانتقام، بل من أجل العدالة ومنع تكرار مثل هذه الفظائع بحق أي شعب أو جماعة بشرية.
إن قيمة هذه الأعمال لا تكمن في بعدها التوثيقي فحسب، بل في بعدها الإنساني أيضاً. فهي تدافع عن الإنسان بوصفه إنساناً، وتؤكد أن المأساة الإيزيدية ليست شأناً خاصاً بالإيزيديين وحدهم، بل جرحاً في الضمير الإنساني العالمي، ومسؤولية أخلاقية مشتركة تجاه قيم الحرية والكرامة وحقوق الإنسان.
ومن خلال نشاطه الإعلامي والثقافي، أسهم حسو هورمي في نقل صوت الإيزيديين إلى فضاءات أوسع، وساعد على تعريف الرأي العام المحلي والدولي بحقيقة ما جرى، كما عمل على ترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم بين مختلف المكونات العراقية، مؤمناً بأن التنوع الذي يتميز به العراق يمثل ثروة حضارية ينبغي الحفاظ عليها وصونها.
لقد أثبتت تجربة حسو هورمي أن المثقف الحقيقي ليس من يكتفي بمراقبة الأحداث من بعيد، بل من ينخرط في قضايا مجتمعه، ويجعل من قلمه أداة للدفاع عن الحقيقة والعدالة والإنسان. ومن هنا جاءت مكانته بوصفه كاتباً وإعلامياً حمل هموم شعبه ووطنه بإخلاص ومسؤولية، وسعى إلى تحويل الذاكرة من مجرد استذكار للماضي إلى مشروع وعي للمستقبل.
وفي زمن تتعرض فيه الحقائق للتشويه، وتغيب فيه الكثير من الشهادات تحت ركام الأحداث، يبقى أمثال حسو هورمي ضرورة ثقافية ووطنية، لأنهم يحفظون الذاكرة من النسيان، ويمنحون الضحايا صوتاً، ويجعلون من الكلمة الحرة وسيلة للدفاع عن الإنسان وكرامته.
تحية تقدير واحترام للإعلامي والكاتب الإيزيدي حسو هورمي، ابن دهوك، الذي جعل من قلمه منارة للمعرفة، ومن كتاباته جسراً بين الذاكرة والحقيقة، وبين الألم والأمل، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. فهو واحد من الأصوات الثقافية التي تستحق أن تحتفى بها في المشهد الثقافي العراقي المعاصر، لما قدمه من جهود مخلصة في خدمة المعرفة والإنسان والوطن.