كاوه عبان*
في جميع التجارب الديمقراطية الناجحة لا تبدأ شرعية الحكومات من غرف التفاوض بل من صناديق الاقتراع فالناخب هو صاحب القرار الأول ونتائج الانتخابات هي الأساس الذي تُبنى عليه التفاهمات السياسية اللاحقة ومن هذا المنطلق فإن أي نقاش حول تشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كوردستان يجب أن ينطلق من احترام الإرادة الشعبية التي منحت الحزب الديمقراطي الكوردستاني المرتبة الأولى والتفويض الأكبر بين جميع القوى السياسية.
إن تصدر الحزب الديمقراطي للانتخابات لا يمثل مجرد تفوق عددي في المقاعد بل يعكس ثقة شريحة واسعة من المواطنين ببرنامجه السياسي والإداري وهو ما يمنحه أحقية دستورية وسياسية وأخلاقية لقيادة عملية تشكيل الحكومة المقبلة وفي المقابل فإن احترام الاستحقاق الانتخابي لا يعني إقصاء الآخرين بل يفتح الباب أمام شراكة وطنية متوازنة تحفظ الاستقرار وتعزز وحدة الصف الكوردستاني.
لقد أثبتت التجربة السياسية في الإقليم أن الاستقرار كان دائماً نتاج التفاهم بين القوى الرئيسية وليس نتيجة الصراع بينها لذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب رؤية واقعية توازن بين حق الحزب الفائز في قيادة الحكومة وبين ضرورة مشاركة الأطراف الأخرى في إدارة المرحلة المقبلة.
ومن هنا فإن المخرج الأكثر واقعية يتمثل في تشكيل حكومة شراكة قوية بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وبمشاركة الاتحاد الوطني الكوردستاني على أساس احترام نتائج الانتخابات أولاً، وضمان الشراكة السياسية ثانياً فالإقليم لا يحتاج اليوم إلى صراع جديد على الصلاحيات بل إلى حكومة تمتلك القدرة على اتخاذ القرار ومواجهة التحديات المتراكمة.
ولكي تنجح هذه التجربة لا بد أن تستند إلى برنامج حكومي واضح ومعلن أمام المواطنين يركز على الملفات التي تشكل أولوية للشارع الكوردستاني وفي مقدمتها ضمان الرواتب، ومعالجة ملف النفط والطاقة، وتنظيم العلاقة مع بغداد على أسس دستورية مستقرة، واستكمال مشروع توحيد قوات البيشمركة، ومكافحة الفساد، وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل للشباب.
كما أن توزيع المناصب والمسؤوليات ينبغي أن يتم وفق الاستحقاق الانتخابي الحقيقي مع توفير الضمانات السياسية اللازمة للاتحاد الوطني الكوردستاني وسائر الأطراف المشاركة بما يمنع الشعور بالتهميش ويعزز الثقة المتبادلة داخل مؤسسات الحكم.
ومن الضروري أيضاً إبعاد الملفات الأمنية والمالية عن الخلافات الحزبية لأن الأمن ليس مجالاً للمساومة السياسية والرواتب ليست ورقة تفاوض بين القوى المتنافسة بل حق مشروع للمواطنين ومسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع.
وفي السياق ذاته فإن تفعيل دور البرلمان يمثل خطوة أساسية لاستعادة ثقة الشارع بالمؤسسات فالمعارضة الحقيقية لا تكون من خلال تعطيل عمل الحكومة وإنما من خلال ممارسة دور رقابي مسؤول يضمن الشفافية والمساءلة ويحقق التوازن المطلوب داخل النظام السياسي.
ولا يقل أهمية عن ذلك اعتماد خطاب إعلامي أكثر هدوءاً بين أربيل والسليمانية لأن التصعيد الإعلامي المتبادل لا يضعف الأحزاب بقدر ما يضعف صورة الإقليم وموقفه السياسي أمام بغداد ودول الجوار وحتى ثقله الدولي ايضا، إن المرحلة الحالية تتطلب لغة الحوار والتفاهم لا لغة الاتهامات المتبادلة.
أما إذا استمر الانسداد السياسي وتعذر الوصول إلى تفاهمات عملية خلال فترة زمنية معقولة فإن اللجوء إلى حلول انتقالية مؤقتة قد يصبح خياراً مطروحاً للحفاظ على استمرارية المؤسسات ومنع الفراغ السياسي على أن يكون ذلك ضمن إطار قانوني واضح وسقف زمني محدد يقود في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية أو العودة إلى إرادة الناخبين.
إن قوة كوردستان لم تكن يوماً في انتصار حزب على آخر بل في قدرتها على تحويل التنافس السياسي إلى شراكة وطنية تخدم المواطنين وتحمي الاستقرار ومع احترام هذا المبدأ يبقى الحزب الديمقراطي الكوردستاني الطرف الأكثر أحقية بقيادة الحكومة المقبلة بحكم نتائج الانتخابات فيما تبقى الشراكة الوطنية الطريق الأقصر لضمان استقرار الإقليم وحماية مكتسباته وتعزيز مكانته في العراق والمنطقة.
فالديمقراطية الحقيقية تبدأ باحترام نتائج الانتخابات وتكتمل بالحوار والشراكة والمسؤولية الوطنية.
*سفير فوق العادة لمنظمة إمسام الاممية