جامع بارزاني الكبير.. أكثر من جدل حول مسجد

لاوين ابراهيم

منذ الإعلان عن وضع حجر الأساس لمشروع جامع بارزاني الكبير، تصدر النقاش حوله منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وتوزعت الآراء بين مرحب بالمشروع بوصفه إضافة حضارية وثقافية مهمة لكوردستان، وبين منتقد رأى أن الأولوية ينبغي أن تُمنح للمدارس والجامعات والمستشفيات والخدمات العامة. وقد بدا واضحاً أن الجدل لم يكن حول مشروع عمراني بعينه، بقدر ما كان نقاشاً حول مفهوم التنمية وأولوياتها في المجتمعات الحديثة.

ينطلق المنتقدون من اعتبارات مفهومة ومشروعة، فإقليم كوردستان، شأنه شأن أي مجتمع يسعى إلى التطور، يحتاج إلى الاستثمار المستمر في التعليم والصحة والبنية التحتية وتحسين جودة الخدمات العامة. كما أن وجود عدد كبير من المساجد في الإقليم دفع البعض إلى التساؤل عن الحاجة إلى مشروع ديني جديد بهذا الحجم، في وقت ما تزال فيه قطاعات أخرى تتطلب مزيداً من الدعم والتطوير.

غير أن النظر إلى المشروع من هذه الزاوية وحدها لا يقدم صورة متكاملة. فجامع بارزاني الكبير ليس مجرد مبنى مخصص لإقامة الشعائر الدينية، بل مشروع حضاري واسع النطاق يمتد على مساحة تتجاوز مليوني متر مربع، ويستند في تصميمه إلى عناصر مستوحاة من العمارة الكوردية التقليدية ورموزها الثقافية. وقد صُمم المبنى الرئيسي على هيئة الخيمة الكوردية، في محاولة لإبراز جانب من الهوية التاريخية والثقافية للشعب الكوردي ضمن معلم عمراني معاصر، يضم إلى جانب قاعات العبادة مرافق اجتماعية ومساحات خضراء واسعة ومكونات بيئية وثقافية متنوعة.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المسجد بوصفه مبنى للعبادة، وبين المؤسسة الدينية بوصفها فضاءً اجتماعياً وثقافياً يمكن أن يؤدي أدواراً متعددة داخل المجتمع. فالتجربة الحضارية الإسلامية لم تعرف المسجد كمكان للصلاة فقط، بل كمركز للتعليم والمعرفة والتواصل المجتمعي والعمل الخيري. ولذلك فإن قيمة أي مشروع من هذا النوع لا تُقاس بحجمه أو تكلفته أو عدد مرتاديه، بل بقدرته على خدمة المجتمع والمساهمة في بناء الوعي وترسيخ القيم وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أن يُفهم الدفاع عن المشروع على أنه تقليل من أهمية المطالب المتعلقة بالتعليم أو الصحة أو الخدمات العامة. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على المفاضلة بين بناء الإنسان وبناء الهوية، ولا بين الاستثمار في الخدمات والاستثمار في الثقافة والرموز الحضارية، بل على تحقيق التوازن بين هذه العناصر جميعاً. فالمجتمعات الراسخة لا تكتفي بتشييد المدارس والمستشفيات والطرق، على أهميتها، وإنما تحرص أيضاً على بناء معالم ومؤسسات تعكس شخصيتها الثقافية وتمنح فضاءها العام بعداً حضارياً يتجاوز الوظيفة اليومية المباشرة.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى جامع بارزاني الكبير بوصفه جزءاً من رؤية أوسع تسعى إلى ترسيخ معلم ديني وثقافي وعمراني يحمل ملامح كوردستان وهويتها التاريخية. فالأمم لا تُقاس فقط بما توفره من خدمات، بل أيضاً بما تتركه للأجيال من شواهد حضارية ورموز ثقافية تعبر عن مسيرتها وتاريخها. ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق مشروع بهذا الحجم والطموح يعكس اهتماماً بتعزيز الحضور الحضاري للإقليم وإضافة معلم نوعي إلى رصيده العمراني والثقافي.

ولعل القيمة الحقيقية للمشروع ستتحدد مستقبلاً بقدرته على التحول إلى مؤسسة حية ومنفتحة على المجتمع، تجمع بين رسالتها الدينية ودورها الثقافي والاجتماعي، وتسهم في خدمة الناس وتعزيز المعرفة والحوار والعمل العام. وعندها لن يكون جامع بارزاني الكبير مجرد بناء ضخم يضاف إلى قائمة المنشآت العمرانية، بل معْلماً حضارياً يجسد جانباً من هوية كوردستان وطموحاتها، ويؤكد أن التنمية ليست بناء الحجر وحده، بل بناء الإنسان والذاكرة والمستقبل معا.

قد يعجبك ايضا