مصطفى حسين الفيلي
لم يعد المشهد الثقافي والإعلامي كما كان قبل عقدين من الزمن. فمع صعود منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت فئة جديدة من صناع المحتوى والمؤثرين الذين باتوا يمتلكون قدرة هائلة على توجيه اهتمام الجمهور نحو الأفلام والمسلسلات، في وقت تراجع فيه حضور النقد السينمائي التقليدي في الصحف والمجلات الثقافية.
وهنا يبرز سؤال مهم هل حلّ المؤثر محل الناقد السينمائي؟
في الماضي، كان الناقد السينمائي يمثل حلقة الوصل بين العمل الفني والجمهور. لم يكن دوره يقتصر على إبداء الإعجاب أو عدمه، بل كان يقدم قراءة معمقة لعناصر الفيلم من إخراج وسيناريو وتصوير ومونتاج وأداء تمثيلي، ويضع العمل في سياقه الفني والتاريخي والثقافي.
أما اليوم، فقد أصبح الجمهور يتلقى انطباعاته الأولى عن الأفلام من مقاطع فيديو لا تتجاوز الدقيقة الواحدة أو من منشورات سريعة تعتمد على الإثارة واختزال الأفكار.
لا يمكن إنكار أن المؤثرين نجحوا في الوصول إلى جمهور واسع، خصوصاً بين فئة الشباب، مستفيدين من طبيعة المنصات الرقمية وسرعة انتشار المحتوى.
لكن التأثير الواسع لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات النقد والتحليل. فهناك فرق كبير بين الانطباع الشخصي الذي يعبر عن ذوق فردي، وبين النقد السينمائي الذي يستند إلى معرفة وخبرة ومنهجية في قراءة العمل الفني.
لقد فرضت الخوارزميات معايير جديدة للانتشار، فأصبحت الآراء الأكثر إثارة وجذباً للمشاهدات هي الأكثر حضوراً، بينما تراجعت المقالات النقدية المتخصصة التي تحتاج إلى وقت وتأمل وقراءة. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني نهاية النقد السينمائي، بل يفرض عليه البحث عن أشكال جديدة للتواصل مع الجمهور دون التخلي عن عمقه المعرفي.
إن السينما، بوصفها فناً وثقافة وصناعة، تحتاج إلى النقد أكثر من حاجتها إلى الترويج. فالمؤثر قد يدفع الجمهور إلى مشاهدة الفيلم، لكن الناقد يساعده على فهمه وتأويله واكتشاف أبعاده الجمالية والفكرية. ومن هنا فإن العلاقة بين الطرفين لا ينبغي أن تكون علاقة إقصاء، بل علاقة تكامل، شرط أن يبقى لكل منهما دوره وحدوده.
في عصر المؤثرين، لم تعد المنافسة على من يشاهد الفيلم أولاً، بل على من يمتلك القدرة على قراءة الصورة وتحويلها إلى معرفة. وهنا يبقى النقد السينمائي الحقيقي ضرورة ثقافية لا يمكن الاستغناء عنها مهما تغيرت الوسائل والمنصات.