إبراهيم اليوسف
كثيراً، ما استعنت بالمحامي والشخصية الاجتماعية والوطنية عثمان عثمان بهلوي، في أكثر من قضية، لاسيما فيما يتعلق بتوثيق سيرة الشاعر جكرخوين، وعلاقته بالحزب الشيوعي السوري، ومن كانوا معهم في تلك المرحلة، وأسباب اختلافهم مع الحزب، كما لبى مشكوراً، تقديم شهادة في جكرخوين، من خلال الإجابة عن أسئلة وجهتها إليه، تم إدراجها في كتابي الصادر- حديثاً- في طبعة أنيقة عن دار تاسك، إلى جانب شهادات أفراد أسرته، وكل من الأصدقاء: أ. جميل إبراهيم- خورشيد شوزي، وتقديم د. ولات محمد، وكلمة الغلاف للشاعر محمد نور الحسيني. كانت الزميلة والصديقة بونيا جكرخوين المرجع الأول والأخير في إتمام فصول الكتاب الذي بدأت بالإعداد له منذ سنوات طويلة، وها هو جزؤه الأول يصدر مع غياب المربي والمثقف المحامي: عثمان عثمان ذاكرة قامشلي، وأحد رموزها، وشهودها على امتداد عقود، والذي توقف قلبه عن النبض يوم أمس، في منزله في استوكهولم/ السويد
شهادة عثمان عثمان في صديقه الشاعر الكبير جكرخوين:
تعرفت على جكرخوين منذ نعومة أظفاري، لأنه وعمي ملا شيخموس قرقاتي كانا صديقين ودرسا سوية- على يدي- عند الشيخ عبيد الله الهيزاني. كان يزورنا كثيراً في قريتنا، وكنا نزورهم في بيتهم في قامشلي، أما عن مراحل حياته فبعد أن أنهى دراسته الدينية منذ البداية وبعد أن جاب كردستان وتعرف على مآسي شعبه بنى قريتين: إحداهما چيلكي والأخرى جهنم، وجمع أهالي قريته حاصدة ليشاركوه في ملكية القريتين، لكنه تركهما بعد أن باع حصته بسبب النزاع الدائم بين الفلاحين وملاكي القرية، واستقر أخيراً في قامشلي.
أما عن دراسته، فقد بدأ أولاً بتعلم قراءة القرآن في قريته على يدي “الخوجة” ثم تابع مسيرته الدراسية في كرجوس هو وملأ شيخموس القرقاتي، وانتقل بعدها إلى أماكن عدة، لإكمال دراسته منها: ديريكا جياي مازي وتل شعير وغيرهما، إلى أن استقر في عامودا عند الشيخ عبيد الله الهيزاني هو وكل من ملا شيخموس القرقاتي وملا عبد اللطيف وملا حلمي وغيرهم ،ونالوا إجازاتهم على يدي شقيقه ملا فتح الله، وأصبح وفق ذلك إماماً في قرية حاصدة جوري، لمدة سنتين أو أكثر، وبعد تجواله مع العائلة في بعض القرى استقر في قامشلي.
أما عن علاقته بالحزب الشيوعي، فكانت علاقته على النحو التالي:
في عام ١٩٤٨ تعرف على قيادة الحزب الشيوعي في الجزيرة السورية، وصادقهم لاعتقاده بأن هذا الحزب هو نصير الشعوب المضطهدة، وبما أنه كان يعمل من أجل القضية الكردية، فقد تقرب منهم، وأصبح يساندهم دون الانتماء إلى الحزب، لكنه ناضل معهم أكثر من أن يكون عضواً في الحزب، حيث كان مسؤولاً لحركة أنصار السلام التابعة للحزب الشيوعي، وعمل بجد وإخلاص دون كلل أو ملل.
أما بصدد التآمر عليه، فإن قيادة الحزب الشيوعي في الجزيرة كانوا يهابون وجوده ونضاله الذي لا مثيل له، اكما أنهم كانوا يخافون سمعته وصيته الجيد بين الشعب، نظراً لمكانته واحترام الشعب له كونه كان مناضلاً كردياً، قبل كل شيء.
اكما أنه كان شاعراً وطنياً قومياً ينشر المبادئ السامية، دون مراوغة، وبما أن الحزب الشيوعي كان يعتبر نفسه أممياً لا قومياً، فقد اعتبروه يبتعد عن مبادئ الحزب، وكان هذا المفهوم الخاطئ يسيطر على الجميع في القيادة. هذا ما جعل جل أعضاء الحزب من الكرد يتركون الحزب فيما بعد وجكرخوين أولهم.
أما عن توجهه للعمل التنظيمي الكردي فكان على النحو التالي:
بعد ترك جكرخوين ومجموعة من الشيوعيين الكرد الحزب، توجهوا للتفكير بتأسيس حزب كردي يتبنى الأفكار الاشتراكية. عندها تم اجتماع ما يقارب المئة شخص- وكنت أحدهم- معظمنا كنا من كوادر الحزب الشيوعي، وعقدنا مؤتمراً في بيت جكرخوين، وأسسنا حزباً كردياً باسم “بندا آزادي” لنكمل مسيرتنا النضالية، للعلم كان أحد بنود منهجنا لهذا الحزب هو أن هناك حزباً كردياً باسم الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا الذي تأسس في ١٦/٤/ ١٩٥٧ وبما إننا كنا على يقين بأن مجتمعنا لا يحتمل حزبين كرديين، لذا فمن الممكن أن نتفاوض معهم لتشكيل حزب واحد، وهكذا تُفُووِضْنَا مع رفاقنا في الديمقراطي، وأصبح جكرخوين أحد أعضاء اللجنة المركزية في الحزب،
مع العلم إن بعض أعضاء حزبنا القديم( بندا آزادي ) أكملوا مسيرتهم لمدة قصيرة، ثم أعلنوا- إلغاء أو إنهاء- الحزب فيما بعد.
في مؤتمر البارتي الديموقراطي الكردي في سوريا عام ١٩٦٥ حصل انشقاق في الحزب، وأصبح حزبين، أحدهما بقيادة عثمان صبري وصلاح بدر الدين وسمي باليسار، والآخر بقيادة عبد الحميد درويش وسمي فيما بعد بالتقدمي، وكان جكرخوين أحد أعضاء لجنته المركزية. منذ بداية نضال جكرخوين ومنذ الخمسينات تعرض للاعتقال أكثر من مرة في قامشلي، وزج به في سجن المزة، وتعرض في كل مرة للتعذيب بشتى الأشكال ولم يحده كل ذلك عن مبادئه قيد شعرة.
لقد شارك جكرخوين في مسيرات عديدة لا تحصى، لكنني أتذكر أنه في عام ١٩٥٢ قاد مظاهرة شعبية في مدينة قامشلي ضد نظام شيشكلي التعسفي، وألقى فيها كلمة طويلة، ندد فيها بأعمالهم التعسفية بكل جرأة وجسارة،
إضافة إلى مشاركته في مظاهرات أخرى كثيرة، كان هو من يقودها كلها.
أما عن علاقته بأصدقائه ورفاقه فقد كانت علاقة متميزة يضرب بها المثل. حيث كان جكرخوين متواضعاً، يحترم الصغير والكبير، ولا يتوانى عن الإصغاء إلى الجميع بروح سمحة ومحبة.
أما عن علاقته بالمرأة، فكان للمرأة حيز كبير من التقدير والاحترام لديه، حيث ناداها دائماً: بالأخت والابنة والأم. يحثها على النضال والعلم، ويطلب منها أن تستيقظ من غفوتها، لتشارك أخاها الرجل في الساحة النضالية،
وله قصائد عديدة يشيد فيها بنضالها وتفانيها كقصيدته الشهيرة عن” ليلى قاسم” وغيرها.
ولا يخفى علينا اهتمامه الخاص بالشعراء والكتاب المبتدئين، يحثهم على الكتابة والاستمرار، ويشجع الجميع على المضي في الكتابة، بل كان يطلب من الجميع أن يدونوا كل يومياتهم ليستفاد منها في يوم ما.
هذا ما يتعلق بالشعراء والكتاب، أما في ما يتعلق بساسة عصره، فكان يحترم الجميع، ويحثهم على النضال، من أجل حرية شعبهم بصدق وأمان.
أما بالنسبة لنفيه إلى دمشق، فقد كان ذلك بعد وصوله من بغداد إلى قامشلي، حيث استقبله رجل من المخابرات، وقاده إلى دمشق، وهناك نُفِي إلى السويداء. بقي هناك فترة من الزمن، كان يراجع خلالها الأمن في كل ليلة، إلا أنه كان يحظى باحترام أهل السويداء الذين طلبوا منه البقاء في السويداء، معززاً مكرماً، إلى أن أفرج عنه، لكنه آثر العودة إلى مدينته المحببة إلى قلبه قامشلي، فعاد معززاً مكرماً لكنه بقي تحت المراقبة الأمنية، إلى فترة طويلة من الزمن.
الحركة السياسية الكردية بشكل عام، كانت تحترمه وتقدره كشاعر كردي تقدمي، وتقوم قياداتها والكثير من كوادرها بزيارته دائماً.
أما عن هؤلاء الذين يعادونه فالسبب واضح وجلي،
كونه وطنياً قومياً صادقاً، دأب أن يقول كلمته دون خوف.
وطنيته الصادقة وحبه لقوميته، دون أن يحيد عن خطه الوطني. كل هذا أوغر صدور هؤلاء نتيجة الغيرة والحسد، لأنهم لم يميزوا بين المبادئ والقومية.
ولعلمي أن هناك له ٢٩ مخطوطة له لم تطبع بعد. إنها في أرشيفه الخاص به.
أما عن جائزة جكرخوين التي يمنحها الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، فهي بنظري جائزة قيمة تمنح لأول مرة من قبل جهة ثقافية، وقد منحت لشعراء عدة وما هي إلا تقدير لشاعرنا الكبير جكرخوين، بل هي حافز كبير لشعرائنا، لمواصلة السير في طريق الإبداع والابتكار، وكنت شاهداً على منحها في دورتها الأولى للشاعر سيدايي كلش 2002.
شكراً للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد، لجهودهم المبذولة في سبيل التقدم والازدهار بالشعر والكتابة.
كانت لجكرخوين مواقف كثيرة معروفة في الجرأة، وقول كلمة الحق، طوال حياته، عبر الزمن الذي عاشرته فيه.
حياته كلها كانت قصيدة صدق، فهو لا يهاب أحداً، ولا يتنازل عن كلمة الحق أبداً، وأنا شاهد على جميع مواقفه.
مواقف عدة حدثت بيننا، ولكن أتذكر إحداها عندما عدت من مؤتمر الشباب العالمي في موسكو، اجتمعت معه في قريتنا كرزين، لأشرح له حقيقة ما حدث معنا، في المؤتمر. حيث أخبرته بتجاهلهم هناك للقضية الكردية، وعدم الاهتمام بمطالبنا، واتفقنا على الخطوة التالية وهي أن نغادر الحزب، ونشكل حزباُ كردياً تقدمياً، وهذا ما قمنا به فيما بعد.
أما عن شجاعته المعهودة، والمعروف بها من قبل الجميع، فلم يسبقه أحد في هذا المجال. لقد كان جريئاً لا يخشى في قول الحق لومة لائم، وكان يتغنى بقضيته القومية كما يتغنى العاشق بمحبوبته. لا يتوانى في ذلك مهما كان الثمن.
هذه الصفات التي أتحدث عنها كانت مميزة لشخصه في مجتمعنا آنذاك، لذا فإنني أراه شخصاً مميزاً، له مكانته الخاصة التي تليق به.
أما عن هجرته للسويد فكانت هذه أمنيته أن يهاجر إلى بلد ديموقراطي، يستطيع فيه طباعة كتبه، والتعرف على الحضارة الأوروبية، وفعلاً استطاع أن يطبع أكثر دواوينه هناك.
وأريد أن أذكر هنا أنني لمته شخصياً على السفر وقدرته على الابتعاد عن قامشلي وشعبها، لكنه أجابني من هناك برسالة طويلة، شرح فيها بالتفصيل سبب رحيله، وأكد لي أنه عائد لا محالة إلى قامشلي بعد انتهائه من طباعة كتبه.
وأنا هنا أريد أن أؤكد قوله هذا؛ حيث إنني أعرف مدى تعلقه بمدينته قامشلي، وبشعبه الذي كان يحبه حباً جماً.
هناك عدة أقوال وحكم انتشرت على لسانه كقوله
أگر ون نبن يك
وني هرن يك بيك
بمعنى أنه كان يشير إلى الوحدة بين الكرد، وكانت هناك أقوال غير صحيحة نسبوها إليه، لكنه لم ينطق بها مع الأسف الشديد. هي دعاية وتزييف ضده.
أما عن جوانب الرقابة على جكرخوين، فقد كانت حياته كلها تحت المراقبة. حيث أتذكر عندما كنا نزوره في بيته نرى رجل الأمن جالساً على كرسيه، على مسافة بعيدة، يراقب الداخل والخارج؟!
أما عن ملاحقته فكان أغلب الأحيان ملاحقاً، من قبل الأمن، يحاصرون بيته ويداهمونه. نجى أحياناً، وألقوا القبض عليه أحياناً أخرى، هكذا كانت حياته، حياة مناضل قارع الظلم والاضطهاد ببسالة وقوة.
وهنا، بإيجاز، نستطيع أن نقول وبجدارة: أن جكرخوين كان شاعراً كردياً بارزاً مميزاً لا يشق له غبار. لم يكن أنانياً يوماً ما. يشجع الجميع، على المضي والسير في الطريق الصحيح. ناضل من أجل شعبه وقضيته، وضحى بكل شيء في سبيل القضية التي آمن بها دون الالتفات إلى أية مصلحة شخصية.
*
محام معروف وشخصية وطنية ورفيق درب بونيا جكرخوين