الدكتور سيروان عبد الله إسماعيل*
في السادس عشر من آب، نستذكر تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى بارزاني، ونستحضر مسيرة طويلة لم تكن مجرد تاريخ لحزب سياسي، بل كانت جزءًا أصيلًا من تاريخ الحركة التحررية والقومية الكردية؛ مسيرة حافلة بالتضحيات والمعاناة والانتصارات والانتكاسات، وبآمال أجيال متعاقبة آمنت بأن الحرية والكرامة والعدالة حقوق لا يمكن التنازل عنها.
لقد تأسس البارتي على أهداف قومية سامية، وفي مراحل تاريخية عديدة لم يكن مجرد إطار حزبي بالمعنى التقليدي الضيق، بل كان حاملًا لقضية شعب وتطلعات أمة. ولم يقتصر تأثير نضاله على كردستان العراق، بل امتد صداه وتأثيره السياسي والمعنوي إلى أبناء الشعب الكردي في الأجزاء الأخرى من كردستان، شرقًا وشمالًا وغربًا.
ومنذ التأسيس، مرورًا بمراحل الثورة والنضال، وصولًا إلى قيام مؤسسات إقليم كردستان، وتشكيل حكومة الإقليم، وتأسيس أول برلمان كردستاني، والشروع في بناء المؤسسات وسنّ التشريعات، كانت هذه المسيرة ثمرة عقود من التنظيم والصبر والمثابرة، وقبل كل شيء، ثمرة التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء شعب كردستان.
وعندما نستحضر هذه المسيرة، لا يمكن أن نغفل صفحات الألم والفواجع الكبرى: حملات الأنفال، وقصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية، وإبادة البارزانيين، وتدمير آلاف القرى، والتهجير والتعريب والقتل الجماعي، وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها الأنظمة المتعاقبة، ولا سيما النظام البائد، بحق شعب كردستان.
ولهذا، فإن ذكرى التأسيس لا ينبغي أن تكون مناسبة للاحتفال واستذكار الماضي فحسب، بل يجب أن تكون أيضًا وقفة للمراجعة والمساءلة واستعادة البوصلة.
فالأحزاب العريقة لا تحافظ على مكانتها بما تمتلكه من تاريخ فقط، وإنما بقدرتها على مراجعة حاضرها، وتصحيح أخطائها، وتجديد مشروعها، والمحافظة على المبادئ التي منحتها شرعيتها ومكانتها في وجدان الجماهير.
ومن الوفاء لتضحيات الشهداء وللمبادئ التي تأسس عليها البارتي أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال الأصعب: أين نحن اليوم من تلك القيم والمبادئ؟
هناك شعور متزايد لدى قطاعات من القواعد الحزبية، وكذلك في أوساط المجتمع، بوجود فجوة بين المبادئ والممارسة، وبين عظمة التاريخ والأداء اليومي لبعض المسؤولين والمؤسسات. كما أن مظاهر الفساد الإداري والمالي، وضعف العدالة وتكافؤ الفرص، وتراجع بعض المعايير الأخلاقية في ممارسة المسؤولية، أصبحت قضايا لا يجوز تجاهلها، ولا ينبغي اعتبار النقد الموجّه إليها موقفًا ضد الحزب.
بل على العكس، فإن النقد الصادق من داخل البيت هو أحد أصدق أشكال الوفاء له.
لقد تعلمنا من نهج الملا مصطفى بارزاني أن القيادة ليست منصبًا ولا امتيازًا، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية. وكانت العدالة والتواضع واحترام الإنسان والوفاء للمناضلين والناس البسطاء من القيم التي منحت الحركة قوتها ومكانتها في قلوب الجماهير.
واليوم، يحتاج كل من يتحمل مسؤولية، من أبسط موقع تنظيمي إلى أعلى مستويات القيادة، أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، وأن يسأل: هل أدائي وسلوكي يليقان بتاريخ هذا الحزب؟ هل أستحق الموقع الذي أشغله؟ هل أخدم الناس والقضية، أم تحول الموقع في حد ذاته إلى غاية؟
إن مراجعة الذات ليست ضعفًا، والاعتراف بالخطأ لا ينتقص من الإنسان أو المؤسسة، بل قد يكون بداية قوتهما. وكما يقال: It’s never too late — لم يفت الأوان أبدًا.
لم يفت الأوان لكي يبدأ الإصلاح من الإنسان نفسه، ثم ينتقل إلى المؤسسة، ومنها إلى النظام السياسي والإداري. فلا يمكن أن نطالب بإصلاح الآخرين من دون أن نمتلك أولًا شجاعة مراجعة ذواتنا وإصلاح أخطائنا.
ومن تجربتي الشخصية، تعود بي الذاكرة إلى اليوبيل الذهبي للحزب الديمقراطي الكردستاني، حين تشرفت بالعمل في اللجنة الفنية العليا للمهرجان إلى جانب الأخ الراحل سامي عبد الرحمن والأستاذ أحمد سالار. كنا نعمل آنذاك في ظروف بالغة الصعوبة في مصيف صلاح الدين، وبعد جهود حثيثة استطعنا الشروع في برنامج المهرجان، إلا أن جولة مؤلمة من الاقتتال الداخلي اندلعت في الليلة ذاتها.
كانت أيامًا قاسية، لكنها بقيت في ذاكرتي درسًا عميقًا: أن أخطر ما يهدد أي حركة سياسية ليس خصومها في الخارج دائمًا، بل الانقسام من الداخل والابتعاد عن المبادئ التي صنعت قوتها.
ومن الملاحظات التي طالما أبديتها أيضًا أن الحزب بحاجة إلى مزيد من الانفتاح على المجتمع والكفاءات والشخصيات المستقلة، وألا يحصر ثقته وإمكاناته داخل الدائرة التنظيمية التقليدية. فالحزب الجماهيري القوي لا يخشى الكفاءات ولا المستقلين، بل يستقطبهم، ويستمع إليهم، ويجعل المجتمع شريكًا في مشروعه ومستقبله.
وفي الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى مراجعة جادة للبطانات المحيطة بمراكز القرار. فليس كل من يشغل منصبًا حزبيًا أو حكوميًا، أو يحمل صفة مستشار أو مسؤول، يحمل بالضرورة روح الحزب وقيمه وتاريخه.
وتبدأ الخطورة حين يشعر المناضل المخلص، الذي أمضى سنوات عمره في خدمة القضية، بأن الانتهازية أصبحت طريقًا أقصر للوصول إلى المواقع، بينما أصبحت الكفاءة والنزاهة والوفاء والتاريخ النضالي أقل حضورًا في معايير الاختيار.
إن مثل هذه الظواهر تُحبط القواعد، وتُضعف الثقة بالمؤسسات، وتخلق مسافة خطرة بين الحزب وجماهيره.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تجميل الواقع، بل إصلاحه؛ وليس إسكات النقد، بل الاستماع إليه؛ وليس حماية المسؤول من المساءلة، بل حماية الحزب من أخطاء المسؤول.
إن الحزب الذي استطاع أن يعبر الثورات والحروب والأنفال والتهجير والاقتتال الداخلي والحصار، وأن يسهم في بناء تجربة سياسية ومؤسسات دستورية في كردستان، قادر أيضًا على خوض معركة إصلاحية من الداخل، تعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة والعدالة الاجتماعية، وتحارب الفساد والمحسوبية، وتفتح الأبواب أمام الشباب والكفاءات والمناضلين الحقيقيين.
ورغم حالة عدم الرضا التي نشاهدها اليوم تجاه أداء عدد من المسؤولين، سواء داخل القواعد الحزبية أو في أوساط المجتمع بصورة عامة، فإن الرئيس مسعود بارزاني لا يزال يمثل لدى جمهور واسع مصدرًا للأمل والثقة، لما يمثله من تاريخ وتجربة ودور في حفظ التوازنات، وما يحمله من إرث قومي وقيم ارتبطت بالمبادئ الأساسية للحركة التحررية الكردية.
ومن هنا، يبقى الأمل كبيرًا في أن تكون هذه المرحلة بداية مراجعة جادة تعيد ترتيب البيت من الداخل، وتضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وتعيد للمؤسسات هيبتها، وللقواعد مكانتها، وللكفاءة قيمتها، وللنقد المسؤول دوره في حماية المسيرة وتصحيحها.
إن أفضل احتفاء بالذكرى الثمانين لتأسيس البارتي ليس أن نتحدث فقط عما أنجزناه بالأمس، بل أن نمتلك الشجاعة لنسأل أنفسنا:
ماذا يجب أن نصحح اليوم لكي نكون جديرين بهذا التاريخ غدًا؟
فالتاريخ العظيم مسؤولية وليس امتيازًا.
وإذا كان مئات الآلاف من أبناء شعب كردستان قد قدموا حياتهم ثمنًا لكي تبقى راية الحرية والكرامة مرفوعة، فإن أقل ما ندين به لهم هو ألا نسمح للفساد والمصالح الشخصية والمحسوبية وضعف المؤسسات بأن تفرغ تلك التضحيات من معناها.
وفي الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، نبارك للرئيس مسعود بارزاني، وللقيادات والكوادر والمناضلين والمخلصين، ولكل من حمل قضية شعبه بإخلاص ونزاهة، ولكل من لا يزال يرى في المسؤولية واجبًا وخدمة، لا امتيازًا ومصلحة.
وندعو الله أن يحفظ الرئيس مسعود بارزاني ويطيل في عمره، وأن يوفقه في مواصلة دوره في خدمة شعب كردستان، وترسيخ العدالة والتوازن، والحفاظ على القيم والمبادئ التي قامت عليها الحركة التحررية الكردية.
وفي هذه المناسبة، ننحني بكل إجلال واحترام أمام أرواح شهداء كردستان وشهداء الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأمام ضحايا الأنفال وحلبجة والبارزانيين، وجميع من قدموا حياتهم على طريق حرية وكرامة شعب كردستان.
فالوفاء للشهداء لا يكون باستذكار أسمائهم فحسب، بل ببناء حاضر ومستقبل يليقان بتضحياتهم.
*النائب و الامين العام السابق في مجلس النواب العراقي