د. رزكار حمه رحيم بنجويني
يعد مبدأ الولاية القضائية العالمية من المبادئ القانونية المهمة في القانون الدولي الجنائي، إذ يجيز للدول ممارسة اختصاصها القضائي بشأن بعض الجرائم الخطيرة بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبها أو ضحيتها. وقد نشأ هذا المبدأ استجابةً للحاجة إلى مكافحة الجرائم التي تمس المجتمع الدولي بأسره، مثل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب.
يقوم المبدأ على فكرة أن بعض الجرائم تشكل اعتداءً على القيم الإنسانية المشتركة، ولذلك لا يجوز أن يفلت مرتكبوها من العقاب بسبب الحدود السياسية أو قصور الأنظمة القضائية الوطنية. ويُعد مبدأ مكافحة الإفلات من العقاب أحد أهم الأسس التي يستند إليها هذا الاختصاص.
تعود الجذور التاريخية للولاية القضائية العالمية إلى مكافحة القرصنة البحرية، حيث اعتبر القراصنة أعداءً للبشرية جمعاء. ومع تطور القانون الدولي توسع نطاق الجرائم المشمولة ليشمل الجرائم الدولية الأشد خطورة.
شهد القرن العشرون تطوراً ملحوظاً للمبدأ بعد محاكمات نورمبرغ وطوكيو، ثم مع اعتماد اتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وأسهمت هذه الأدوات القانونية في ترسيخ فكرة المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية.
تتعدد مبررات الأخذ بالولاية القضائية العالمية، ومنها حماية حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة الدولية، وسد الثغرات القانونية التي قد يستغلها الجناة، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى منع الجرائم الجماعية.
في التطبيق العملي تبنت عدة دول تشريعات تسمح بممارسة هذا الاختصاص، ومن أبرزها إسبانيا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا. وقد شهدت المحاكم الوطنية في هذه الدول دعاوى تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت خارج حدودها.
أصبحت ألمانيا نموذجاً بارزاً في السنوات الأخيرة من خلال محاكمة عدد من المتهمين بارتكاب جرائم دولية استناداً إلى قانون الجرائم ضد القانون الدولي، وهو ما عكس اتجاهاً متنامياً نحو تفعيل الاختصاص العالمي.
كما برزت تطبيقات معاصرة للمبدأ في قضايا مرتبطة بالنزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث لجأت منظمات حقوقية وضحايا إلى المحاكم الوطنية في دول مختلفة سعياً لتحقيق العدالة عندما تعذر ذلك في دول وقوع الجرائم.
على الرغم من أهمية المبدأ، فإنه يواجه تحديات قانونية وسياسية متعددة، منها صعوبة جمع الأدلة، وتعقيدات التعاون القضائي الدولي، والاعتبارات الدبلوماسية، واحتمال توظيف الدعاوى لأغراض سياسية.
ويثير تطبيق الولاية القضائية العالمية إشكاليات تتعلق بمبدأ سيادة الدولة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، الأمر الذي يتطلب تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات العدالة الدولية واحترام قواعد القانون الدولي العام.
تسهم المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني في دعم تطبيق هذا المبدأ عبر توثيق الجرائم وتقديم الملفات القانونية ومساندة الضحايا. كما أن التطور التقني ساعد في حفظ الأدلة الرقمية وتوثيق الانتهاكات.
يرتبط المبدأ بعلاقة تكاملية مع المحكمة الجنائية الدولية، فالمحكمة لا تستطيع النظر في جميع الجرائم الدولية، بينما توفر المحاكم الوطنية إطاراً إضافياً للمساءلة، الأمر الذي يعزز منظومة العدالة الجنائية الدولية.
في السياق المعاصر، تزايدت أهمية الولاية القضائية العالمية مع تصاعد النزاعات المسلحة العابرة للحدود وظهور تحديات إنسانية معقدة، ما دفع العديد من الدول إلى مراجعة تشريعاتها بما ينسجم مع الالتزامات الدولية.
ويرى المؤيدون أن هذا المبدأ يمثل أداة فعالة لحماية الكرامة الإنسانية ومنع الإفلات من العقاب، في حين يحذر المنتقدون من مخاطر التوسع غير المنضبط في استخدامه وما قد يترتب عليه من توترات سياسية وقانونية.
خلاصة القول إن مبدأ الولاية القضائية العالمية أصبح أحد أهم الآليات القانونية لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة. ورغم التحديات التي تواجه تطبيقه، فإن التطورات المعاصرة تشير إلى تزايد الاعتماد عليه بوصفه وسيلة لتعزيز العدالة الدولية وحماية حقوق الإنسان وترسيخ سيادة القانون على المستوى العالمي.