د. خالد عامر الحديثي
يشهد المشهد الثقافي الأوروبي، ولا سيما في إيطاليا، تصاعدًا لافتًا في الصراع حول طبيعة المناهج التعليمية ومضامينها الفكرية، عقب قرار إقصاء أسماء فلسفية بارزة مثل كارل ماركس، وباروخ سبينوزا، وأنطونيو غرامشي من المقررات الدراسية. ولم يُستقبل هذا القرار بوصفه مجرد تعديل تربوي، بل عُدّ، في نظر قطاع واسع من الأكاديميين، هجومًا مباشرًا على الفكر النقدي ومحاولة لإعادة تشكيل وعي الأجيال وفق سردية أيديولوجية محافظة.
ولا يمكن فهم حذف هذه الأسماء بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، إذ تسعى تيارات اليمين إلى إعادة تعريف الهوية الثقافية للأمة، عبر تنقية المناهج مما تراه «أفكارًا هدامة» أو «غير منسجمة مع القيم الوطنية». غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات جوهرية حول وظيفة التعليم: أهو أداة لترسيخ قناعات جاهزة، أم فضاء حر لتعدد الرؤى وصناعة العقل النقدي؟
لقد مثّل ماركس، على سبيل المثال، أحد أبرز منظّري النقد الاقتصادي والاجتماعي، في حين أسهم سبينوزا في ترسيخ رؤية عقلانية متقدمة حول الحرية والدين، بينما شكّل غرامشي مرجعًا أساسيًا في فهم الهيمنة الثقافية وآليات السيطرة الناعمة. ومن ثمّ، فإن تغييب هذه الأسماء لا يعني مجرد حذف محتوى معرفي، بل إقصاء أدوات تحليلية تمكّن الطالب من تفكيك الواقع واستيعاب بنياته العميقة.
ويرى معارضو القرار أن ما يجري هو محاولة لإعادة إنتاج «مواطن مطيع» بدلًا من «مواطن ناقد»، وأن المدرسة تتحول تدريجيًا من مؤسسة للتنوير إلى جهاز أيديولوجي يعيد إنتاج السلطة. وفي هذا السياق، يستحضر كثيرون مفهوم «الهيمنة الثقافية» الذي صاغه غرامشي، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة وحدها، بل عبر تشكيل الوعي وتوجيهه.
في المقابل، يدافع مؤيدو التعديل عن حق الدولة في تحديد أولوياتها التعليمية بما يتماشى مع هويتها وقيمها، معتبرين أن المناهج ينبغي أن تعكس «الروح الوطنية» وتحصّن الطلاب من الأفكار التي قد تهدد استقرار المجتمع. غير أن هذا الطرح يظل محل جدل، خاصة عندما يتحول إلى ذريعة لإقصاء التنوع الفكري.
إن المعركة الدائرة اليوم حول المناهج ليست مجرد خلاف أكاديمي، بل هي صراع عميق على من يملك حق تعريف الحقيقة وتوجيه الوعي. وفي عالم يتسم بالتعقيد والتعدد، تبدو الحاجة إلى الفكر النقدي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فإقصاء الفلسفة لا يُنتج مجتمعًا أكثر تماسكًا، بل ربما أكثر هشاشة، لأنه يفتقر إلى أدوات السؤال والمساءلة.
وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن بناء مستقبل معرفي متوازن عبر مناهج أحادية الرؤية؟ أم أن قوة المجتمعات تكمن في احتضانها للاختلاف وتعدد الأصوات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، ليس فقط ملامح التعليم، بل طبيعة الإنسان الذي نريد تكوينه.