الفرات… حين ضاق النهر بأوجاع البشر

ماهين شيخاني

لطالما كان لنهر الفرات حضور خاص في الروح الكوردية، ليس فقط كمصدر للحياة، بل كشاهد على الأفراح والآلام. غنّاه شاعر الكوردية الكبير جكرخوين (Cegerxwîn) في قصيدة خالدة، فجاءت كلماته وكأنها تترجم أنين النهر نفسه وثرثرته. ثم صاغها بصوته الأسطوري الفنان الكبير شڤان برور (Şivan Perwer) في أغنية “Ey Ferat, Ferat… “.

في تلك الأغنية، لم يكن النهر مجرد ماء، بل أصبح رمزاً:

“أيها الفرات، أيها الفرات… لقد جئتَ مثل رغبتي الطويلة العميقة… لا تذكر أي راحة أو نوم”

كان صوت شڤان برور، الذي يصفه الكثيرون بأنه يتمتع بـ”حنجرة جبلية تتدفق مع نهر الفرات”,هو الجسر الذي حمل هذه الرسالة إلى كل كوردي، ليسمع في أمواج النهر صدى ماضيه وجروح حاضره.

نهر الفرات الثائر

حين يتكلم الصامت… ويغضب الحليم

لم يكن نهر الفرات يوماً مجرد ماء يجري بين الضفتين.
كان نهراً هادئاً، حليماً، صبوراً.
رأى على ضفافه الحضارات تولد وتموت، ورأى البشر يبنون ويحلمون ويقتلون، وظل صامتاً.
ظل يجرى… ويروي… ويمنح الحياة.
لا يسأل: لمن هذه الأرض؟ ومن أي دين أو قومية أنتم؟

لكن يبدو أن صبره النهري القديم قد نفد.

يغضب الفرات… لأول مرة

في هذه الفترة، نهر الفرات يثور.

ليس لأن مياهه تلوثت فقط، بل لأن روحه دُنست.

رأى مشاهد لا تحتمل:

· خيانة تحت غطاء الوطنية
· قتلاً باسم الدين
· تهجيراً باسم السياسة
· ودماءً تختلط بمياهه… من شعب مسالم، أحب الأرض، أحب الطبيعة، أحب البشرية.

رأى بأم عينيه:
كيف يُذبح الأبرياء في وضح النهار.
كيف تُسلب البيوت والأحلام.
كيف تُباد هويات بأكملها.
والكل صامت… أو يتفرج.

فغضب.

مياهه لم تعد ماء… بل انتقام

الفرات اليوم ليس نهراً.
هو جرح يجري، غضب يتدفق، صوت لمن لا صوت لهم.

مياهه التي كانت ترسم البسمة على وجوه الأطفال، صارت اليوم تشبه:

· دموع الأمهات
· وصراخ الغرقى
· ولهيب البيوت المحترقة

يثور الفرات…
لا لأنه يريد أن يغرق.
بل لأنه يريد أن يوقظ.
يوقظ ضميراً نام على جرف الخيانة.
يوقظ عيوناً أغمضت عن الحق.
يوقظ أمةً نامت على وسائد الصمت.

ثورة النهر… درس للبشرية

لم يثور الفرات لينتقم فقط.
بل ليقول للعالم:

· لا تهونوا على أنفسكم.
· لا تسمحوا لأي كان أن يستباح حرماتكم.
· لا تصمتوا على الظلم، لأن الصمت يغري القاتل.

الفرات الثائر اليوم هو مرآة تعكس قسوة البشر.
لكنه أيضاً رسالة أمل:
أن العدالة وإن تأخرت… لا تموت.
وأن الطبيعة حين تغضب… لا يرحم أحد.

والفن يخلّد الثورة

في وحدها، يظل صوت شڤان برور الذي غنى هذه القصيدة، هو وثيقة حية على أن الفرات لم يكن أبداً مجرد شريان جاف، بل كان صرخة في وجه الزمن. في ألبومه الذي حمل عنوان “Ey Ferat”، جسّد العملاق الكوردي حالة التمرد والصمود، مانحاً النهر أبعاداً لا تنضب.

خاتمة: لا تعودوا الفرات صامتاً

أيها البشر على ضفافه…
أنتم من أطعمتموه الغضب.
وأنتم من ستردون له صمته.

لكن تذكروا:
الفرات حين يهدأ…
لن يعود كما كان.
سيبقى جرحاً في خريطة الذاكرة.
وسيبقى شاهدا على لحظة…
قرر فيها النهر أن يتكلم بالطريقة الوحيدة التي يفهمها القتلة: لغة الغرق.

نهر الفرات لا يغتفر… لأنه كان يوماً نهر حياة.

قد يعجبك ايضا