كوردستان في الذاكرة التوراتية

ماهين شيخاني

بين الجغرافيا المقدسة وسرديات البدايات
تُعدّ منطقة كوردستان من أكثر مناطق الشرق القديم غنىً بالتقاطعات الحضارية والدينية والتاريخية. فمنذ العصور الأولى لقيام الحضارات في الهلال الخصيب، شكّلت هذه الجغرافيا الجبلية فضاءً لعبور الشعوب والأساطير والديانات، كما ارتبطت في عدد من النصوص التوراتية والسريانية والإسلامية بسرديات كبرى تتعلق بالبدايات الأولى للإنسان والأنبياء.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال ظل حاضراً في عدد من الدراسات والقراءات التاريخية: هل يمكن النظر إلى كوردستان بوصفها جزءاً من “الجغرافيا التوراتية” التي دارت فيها أحداث سفر التكوين؟
لا يهدف هذا الطرح إلى بناء سردية قومية أو تقديم استنتاجات قطعية، بقدر ما يسعى إلى قراءة العلاقة بين الجغرافيا الكوردية والذاكرة الدينية القديمة، اعتماداً على تقاطعات لغوية وتاريخية وجغرافية تستحق التأمل.
أولاً: جبل قردو والطوفان – الجغرافيا التي احتفظت بالأسطورة
يُعدّ الربط بين منطقة كوردستان وقصة النبي نوح من أكثر الروابط رسوخاً في الذاكرة الدينية الشرقية.
فبحسب النص التوراتي، استقرت سفينة نوح بعد الطوفان على “جبال أرارات”، غير أن عدداً من الترجمات السريانية القديمة، وعلى رأسها “الترجمة البسيطة” (Peshitta)، تشير إلى منطقة “قردو” أو “كاردو” بوصفها الموقع المرتبط باستقرار السفينة.
وقد ورد اسم “جبال قردو” في عدد من الشروح السريانية والآشورية القديمة، في إشارة إلى المنطقة الجبلية الواقعة قرب شرناق، حيث يقع أيضاً جبل الجودي المذكور في التراث الإسلامي باعتباره موضع استقرار السفينة.
ويذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود صلة تاريخية ولغوية بين أسماء:
Cardu
Gordyene
Karduchoi
وبين التسمية اللاحقة للكورد وكوردستان، وهي فرضية ما تزال محل نقاش أكاديمي، لكنها تعكس استمرارية اسمية وجغرافية لافتة في المنطقة.
كما أن المؤرخ الإغريقي زينفون أشار في كتابه الصعود إلى شعوب “الكاردوخيين” التي كانت تقطن المناطق الجبلية شمال بلاد الرافدين، وهي مناطق ترتبط جغرافياً بالمجال الكوردي التاريخي.
ومن اللافت أن الذاكرة الشعبية الكوردية احتفظت بدورها بأصداء هذه الروايات، حيث ظل جبل الجودي والطوفان جزءاً من المخيال الديني والثقافي المحلي حتى اليوم.
ثانياً: إبراهيم الخليل بين أور وحران
تشكل شخصية إبراهيم محوراً أساسياً في سرديات البدايات التوراتية، وترتبط رحلته بعدد من المدن الواقعة في شمال الهلال الخصيب.
يذكر سفر التكوين أن إبراهيم خرج من “أور الكلدانيين” متجهاً نحو حران قبل انتقاله إلى أرض كنعان.
والرأي الأكاديمي التقليدي يربط “أور الكلدانيين” بمدينة أور السومرية في جنوب العراق، غير أن بعض التقاليد اليهودية والإسلامية والمحلية، إلى جانب عدد من الباحثين، طرحوا فرضية تربط “أور” بمدينة أورفة الحالية.
وتستند هذه الفرضية إلى:
الحضور العريق لأورفة في التراث الإبراهيمي.
ارتباطها بروايات محلية عن مولد إبراهيم.
وقوعها ضمن الفضاء الجغرافي الذي شهد انتقالات القبائل الآرامية والحورية القديمة.
ورغم أن هذه الفرضية لا تحظى بإجماع تاريخي، فإنها تعكس أهمية المنطقة الواقعة شمالي الجزيرة الفراتية في تشكل السردية الإبراهيمية.
أما حران، فهي تُعد من أقدم المراكز الدينية والحضارية في أعالي بلاد الرافدين، وقد لعبت دوراً محورياً في النصوص التوراتية، فضلًا عن كونها جزءاً من المجال الحضاري الذي تعاقبت عليه شعوب متعددة، من الآراميين إلى الحوريين ثم الكورد لاحقاً.
ثالثاً: كوردستان بوصفها فضاءً للهلال الخصيب
لا يمكن فهم العلاقة بين كوردستان والذاكرة التوراتية بمعزل عن حقيقة أن هذه المنطقة كانت جزءاً أساسياً من فضاء الهلال الخصيب، حيث نشأت الحضارات الزراعية الأولى، وتداخلت الشعوب واللغات والأساطير.
لقد تعاقبت على المنطقة شعوب عديدة:
الحوريون.
الميديون.
الآشوريون.
الآراميون.
الفرس.
وأسهم هذا التراكم الحضاري في تشكيل هوية ثقافية مركبة، انعكست آثارها في الروايات الدينية القديمة.
ولهذا، فإن محاولة البحث عن “أصل توراتي مباشر” لشعب معاصر، كالشعب الكوردي، تبدو مسألة معقدة تاريخياً، لأن الهويات الحالية هي نتاج قرون طويلة من الامتزاج والتحولات السكانية والثقافية.
ومع ذلك، فإن وجود الكورد في قلب هذه الجغرافيا القديمة يمنحهم موقعاً مهماً ضمن الذاكرة التاريخية للشرق الأدنى، بوصفهم امتداداً بشرياً لمنطقة شكّلت مسرحاً للعديد من السرديات التوراتية الكبرى.
خاتمة
إن الحديث عن “كوردستان في الذاكرة التوراتية” لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه محاولة لإضفاء قداسة قومية على التاريخ، بل باعتباره قراءة ثقافية في العلاقة بين الجغرافيا والنصوص المؤسسة للشرق القديم.
فمن جبال الجودي المرتبطة بروايات الطوفان، إلى مدن أورفة وحران الحاضرتين في السردية الإبراهيمية، تبدو كوردستان جزءاً من المشهد التاريخي والديني الذي تشكلت فيه ذاكرة المنطقة.
وربما تكمن أهمية هذه القراءة في أنها تفتح باباً لفهم أعمق لتاريخ الشرق، بوصفه تاريخاً مشتركاً بين الشعوب، لا ملكية حصرية لأحد؛ تاريخاً تداخلت فيه الأسطورة بالدين، والجغرافيا بالهوية، والإنسان بالأرض التي عاش عليها منذ آلاف السنين.

قد يعجبك ايضا