ذكرى تقسيم العرب.. 110 أعوام على سايكس – بيكو بين عكا وكركوك: خطٌ واحد يفصل الجغرافيا ويجرح الذاكرة

ياسين الحديدي

مرّت، يوم الاثنين 16 أيار/مايو 2026، الذكرى الـ110 لتوقيع اتفاقية سايكس – بيكو مروراً عابراً، رغم أن هذه الاتفاقية لم تقسّم الخرائط فحسب، بل كرّست واقع الدويلات العربية، وزرعت في جسد المنطقة قنابل موقوتة تنفجر متى شاء من رسم حدودها.

بعد تقسيم “الرجل المريض”

تم الاتفاق بين نيسان وأيار عام 1916 عبر تبادل وثائق بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية.
كان الهدف المعلن اقتسام أراضي الإمبراطورية العثمانية التي كانت توصف آنذاك بـ”الرجل المريض”، أما الهدف الحقيقي فكان رسم نفوذ إمبراطوري جديد على أنقاض دولة واحدة.

عيّنت فرنسا قنصلها السابق في بيروت، جورج بيكو، مندوباً سامياً لمتابعة شؤون الشرق الأدنى والتفاوض مع بريطانيا. وسافر بيكو إلى القاهرة، حيث التقى المندوب البريطاني مارك سايكس بإشراف روسي.

وهناك قال سايكس عبارته الشهيرة، التي رواها الكاتب البريطاني جيمس بار في كتابه خط في الرمال:
“أريد أن أرسم خطاً يبدأ بحرف الألف، في إشارة إلى عكا التي تُسمّى بالإنجليزية Acre، وينتهي بحرف الكاف نسبة إلى كركوك”.

الخط الأسود

ذلك الخط الأسود على الخريطة شقّ الشرق الأوسط إلى نصفين.
لم يسأل عن قبيلة، ولا عن عشيرة، ولا عن مذهب، ولا عن مدنٍ عاشت متداخلة لقرون.
قُسّمت الأراضي كما تُقسَّم الكعكة، وتُركت الشعوب تواجه إرث الحدود الوهمية والنزاعات الممتدة.

ومن هنا بدأت دويلات سايكس – بيكو: كيانات سياسية بلا عمق اجتماعي، تحكمها جغرافيا مفروضة أكثر مما تحكمها إرادة شعوبها.

من عكا إلى كركوك

الخط الذي بدأ بعكا وانتهى بكركوك لم يمت.
فعكا أصبحت شاهدة على نكبة فلسطين، وكركوك غدت شاهدة على معضلة العراق؛ مدينة متعددة الهويات، يحكمها منطق التقاسم أكثر مما يحكمها منطق المواطنة.

واليوم، وبعد 110 أعوام، ما زلنا نعيش نتائج ذلك الخط.
فكل أزمة في كركوك، وكل خلاف على إدارة المدينة، هو امتداد لسؤال سايكس – بيكو القديم: من يملك الأرض؟ ومن يملك القرار؟

الدرس

القنابل الموقوتة لا تنفجر وحدها، بل تحتاج إلى من يحرّكها.
والمحرّك غالباً واحد: تحويل الانقسامات الطبيعية إلى صراعات مصالح، وتحويل التقاسم الإداري إلى تقاسم للغنائم.

لقد مات سايكس وبيكو، لكن منطقهما ما يزال حاضراً لدى كل من يرى الدولة غنيمة، ويتعامل مع المواطن بوصفه رقماً في معادلة المحاصصة.

إذا بقينا نحكم المنطقة بمنطق “الخط الأسود”، فسنظل نعيش ذكرى التقسيم كل يوم.
أما إذا أردنا الخروج من هذا الإرث، فعلينا أن نحكم بمنطق الناس، لا بمنطق ا

قد يعجبك ايضا